هذين الدورين أحدهما تقديم جانب السيرة ، والآخر تقديم جانب الآيات ، ولكلّ من الاتجاهين وجوه . والكلام منّا يقع هنا في مقامين أحدهما في تحقيق الحال في أصل هذين الدورين ، والثاني فيما حصل للأصحاب من الاتجاهين وتحقيق الحال فيهما :
تحقيق حال الدورين :
أمّا المقام الأول - فلا يخفى أنّ هناك ظاهرة غريبة تترتّب على ما ذكروه من الدور في المقام ، وهي لزوم ارتفاع النقيضين ، إذ لو كانت الرادعيّة مستحيلة لتوقّفها على عدم التخصيص وبالعكس ، لكان عدم الرادعيّة الَّذي هو نقيض الرادعيّة أيضا مستحيلا . والبرهان على ذلك : أنّ نقيض العلَّة علَّة لنقيض المعلول ، فإذا كان مثلا عدم التخصيص علَّة للرادعيّة وبالعكس ، فلا محالة يكون التخصيص علَّة لعدم الرادعيّة وبالعكس ، فكلا النقيضين يلزم منه الدور ، والمفروض أنّ وجود ما هو دائريّ في عالم التوقّف مستحيل مثلا ، إذن فالرادعيّة مستحيلة لتوقفها على عدم التخصيص وبالعكس ، وعدم الرادعيّة مستحيل لتوقّفه على التخصيص وبالعكس ، فلزم ارتفاع النقيضين .
وكذلك الحال في طرف التخصيص ، فلئن كان التخصيص مستحيلا لتوقّفه على عدم الرادعيّة وبالعكس ، لكان عدم التخصيص أيضا مستحيلا ، لأنّ نقيض العلَّة علَّة للنقيض ، فعدم التخصيص متوقّف على الرادعيّة وبالعكس .
ولو قدّمنا الاحتراز عن مشكلة ارتفاع النقيضين على مشكلة استحالة وجود ما هو دائريّ في عالم التوقّف والتزمنا بإمكان وجوده ، فقلنا بوجود أحد النقيضين في المقام اتجه القول بأنّ نسبة الدور إلى كلّ واحد منهما على حدّ سواء فلا بد من وجود كليهما ، لأنّ وجود أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، فلزم عندئذ اجتماع النقيضين .