في باقي الوجوه بكون التحذّر غاية للإنذار لا يعني سقوطه عن الغائبة ، وإذا كان غاية للإنذار كما هو المستفاد من الآية الكريمة فقد ثبت تماميّة ملاكه قبل الإنذار ، فلا تصل النوبة إلى إثبات حجّية الإنذار بأيّ وجه من الوجوه [ 1 ] . وهذا نظير إشكالنا الَّذي أوردناه بلحاظ مادّة الإنذار . وكذلك الحال لو قلنا بإجمال التحذّر وتردّده بين التحذّر عن العقاب ، أو مخالفة الواقع .
بقي الكلام فيما أفاده الأصحاب - رضوان الله عليهم - في مقام الإشكال على الاستدلال بهذه الآية على حجّية الخبر ، وعمدة الإشكالات المذكورة في كلماتهم ترجع إلى وجوه ثلاثة غير ما مضى منّا :
الوجه الأول - أنّ الآية الشريفة إنّما تدلّ على وجوب الحذر بنحو القضية المهملة ، وليس لها إطلاق يشمل فرض عدم العلم ، وذلك لأنّها إنّما وردت في مقام بيان وجوب النفر والتفقّه والإنذار . وليست في مقام البيان من ناحية وجوب الحذر حتى يتمّ الإطلاق بالنسبة له .
وهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل ، فإنّه إن جعل إشكالا على الوجه الأول من الوجوه الثلاثة الماضية ورد عليه : أنّ المفروض فيه أنّ قوله :
» لعلَّهم يحذرون « بصدد إبراز مطلوبية الحذر ، فالآية الشريفة متصدّية لذكر مطلوبية الحذر ومحبوبيّته ، ومقتضى الأصل العقلائي فيمن يذكر شيئا أنّه في مقام بيان تمام مراده فيه ، فيتمّ الإطلاق بالنسبة لجملة ( لعلَّهم
شرح
[ 1 ] ويمكن أن يجعل هذا بضميمة ما سبق من توقّف الوجه الأول على تفسير الحذر بالحذر عن العقاب برهانا على بطلان الاستدلال بالآية على حجّية الخبر بالوجه الأوّل بأن يقال : إمّا أن يفرض أنّ المقصود بالحذر في الآية هو الحذر من العقاب ، أو يفرض أنّ المقصود به الحذر من المخالفة . فعلى الأوّل تدلّ الآية على ثبوت ترقّب العقاب قبل الإنذار : لأنّ جعل شيء غاية لشيء ظاهر في ثبوت ملاكه في الرتبة السابقة على ذي الغاية ، وهذا يعني عدم دلالة الآية على حجّية خبر المنذر وعلى الثاني لا تكون مطلوبية الحذر مساوقة لوجوبه لإمكان كونه مستحبا .