الابتدائي لذلك هو ما يقال من أنّه إذا لم يجب التبيّن عند مجيء العادل بالنبإ ، فإمّا أن لا يجب التبيّن عنه ولا يعمل به أيضا ، أو أنّه يعمل به بلا تبيّن . والأوّل يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق ، وهو باطل بالضرورة ، فيتعيّن الثاني .
وذكر الشيخ الأعظم - قدّس سرّه - أنّ تخيّل الحاجة إلى لزوم الأسوئيّة مبني على تخيّل أنّ وجوب التبيّن هنا وجوب نفسي فيقال : إنّ غاية ما يقتضيه المفهوم هو انتفاء هذا الوجوب النفسيّ ، وأمّا حجّية النبأ فلا تفهم بذلك إلَّا بعد إضافة أنّه لولا حجّيته لزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق . ولكن حمل وجوب التبيّن على الوجوب النفسيّ غير صحيح ، ولو صحّ لما صحّ القول بأنّ عدم حجيّة خبر العادل مع عدم وجوب التبيّن يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق ، إذ لعلَّه أوجب اللَّه تعالى التجسّس عن خبر الفاسق لفضحه وكشف كذبه عن صدقه ، ولم يوجب التجسّس عن خبر العادل ، فهذا نحو مجاملة واحترام له ولطف به . هذا بناء على الوجوب النفسيّ ، أمّا إذا حملنا الوجوب على الوجوب الشرطي - كما هو الصحيح - فهذا يعني أنّ العمل بخبر الفاسق مشروط بالتبيّن ، ويدلّ بالمفهوم على أنّ العمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن ، وهذا يعني حجّية خبر العادل بلا حاجة إلى ضمّ لزوم أسوئية حال العادل لولا الحجّيّة .
ومقصود الشيخ رحمه اللَّه من كون التبيّن شرطا للعمل بخبر الفاسق - على ما يتراءى من عبارته - كونه شرطا للعمل بخبر الفاسق بلحاظ عالم المولوية .
فمن الواضح أنّ التبيّن ليس شرطا في وجود العمل بخبر الفاسق تكوينا ، وإنّما هو شرط لوجوده بحسب لحاظ المولى ، فكأنّ المولى قسّم العمل بخبر الفاسق إلى قسمين : العمل بلا تبيّن والعمل بتبيّن ، وقد حرّم القسم الأوّل مولويّا ، فبنظره التحريمي كأنّه أعدمه في الخارج فبعد إعدام القسم الأول إعداما
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 392
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٩٢