يدسّ في تمام النسخ ، وإنّما تتّفق له السيطرة على بعض النسخ عن طريق الاستعارة أو طريق آخر فيدسّ فيها ، وعليه فلسنا نعلم أنّ النسخ التي انتهى أمرها إلى المشايخ الثلاثة - رضوان الله عليهم - كانت من النسخ المدسوسة .
وهذا الحديث لم يبين إلَّا قضية مهملة لا إطلاق فيها ، فدليل الحجّية يشمل الطرق الصحيحة لهم - رضوان الله عليهم - إلى تلك الأصول لاحتمال مطابقة تلك النسخ للواقع بان لم يجد الدسّ من أوّل الأمر إليها سبيلا ، أو أنّها طهّرت من الدّس بالتدريج وتطبيق نسخة على نسخة . وإذا جاء هذا الاحتمال - حتى لو لم يصل إلى مستوى الظنّ - كفى في شمول دليل الحجّية لتلك الطرق ، ولا يبقى للعلم الإجمالي المذكور أثر في المقام .
الجهة الثانية - أنّه قد يقال في المقام : لو تمّ الاستدلال ببعض الروايات السابقة على تحكيم الكتاب في الروايات بمعنى إسقاط ما يخالف الكتاب بمثل العموم من وجه من دون أن يتعارضا ويتساقطا ، فظاهر هذه الرواية يخالف ذلك في مورد العلم بعدم الدسّ ، لأنّ ظاهرها أنّ تحكيم الكتاب إنّما هو بلحاظ الدسّ ، إذ علَّل ذلك بالدسّ ، فلو علمنا في حديث مّا أنّه قد صدر حقا عن هذا الثقة وليس مدسوسا وموضوعا عليه لم يصح تحكيم الكتاب بالنسبة إليه .
والتحقيق أنّ التحكيم الَّذي جعله في هذه الرواية في طول الدسّ غير التحكيم الَّذي قد يفرض مسقطا لما يخالف الكتاب بمثل العموم من وجه ، فالثاني عبارة عن جعل المخالفة للكتاب موجبة لإسقاط الحديث ومانعة عن حجّيته ، والأوّل عبارة عن تحكيم الموافقة للكتاب في طول الدسّ ، وهذا يعني في الحقيقة أنّ الخبر في طول الدسّ سقط عن الحجّية ولم يبق مبرّر للعمل به في نفسه ، فلا يجوز العمل به إلَّا إذا كان موافقا للكتاب ، كي يكون العمل به في الحقيقة عملا بالكتاب .
الجهة الثالثة - أنّ ما ذكرناه من خلوّ النسخ التي انتهى أمرها إلى
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 381
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٨١