وينتهي ذلك إلى الخلاف مثلا ، بينما لا دليل على وجوب مثل ذلك . فما هو واجب بالأدلَّة العامّة ساقط عن إمام العصر في زمان الغيبة لمنافاته للتستّر ، وما ينافي التستّر لم يدلّ دليل على وجوبه .
وأمّا إثبات حجيّة الإجماع بقاعدة وجوب اللطف على الله تعالى فالبحث حول أصل قاعدة اللَّطف لا نتعرّض له هنا ونحيله إلى مورده في علم الكلام ، ولكنّنا نناقش تطبيقها على المقام بعد فرض تسليم صحّة القاعدة ، ونناقش ذلك من ناحيتين :
أوّلا : أنّه ما هو المقصود من المصلحة التي يفترض وجوب إيصالها إلى العباد لكي لا ينحرموا جميعا عنها بسبب الإجماع الخاطئ ؟ هل المقصود هي المصلحة التي تكون في طول الحكم وهي مصلحة العبودية والطاعة ، أو المقصود هي المصلحة التي تكون قبل الحكم وهي المصلحة الكامنة في ذات الأفعال الداعية إلى الحكم على طبقها ؟ فإن كان المقصود المصلحة التي هي في طول الحكم فهي لا تفوت بخفاء الحكم ، فإنّ الحكم الظاهري الموجود دائما عند خفاء الحكم الواقعي حاله حال الحكم الواقعي من ناحية مصلحة الامتثال والعبوديّة والانقياد لله تعالى .
وإن كان المقصود المصلحة التي هي ثابتة قبل الحكم في متعلَّقات الأحكام قلنا : لا جزم لنا بلزوم اللَّطف على الله تعالى بإيصال تمام المصالح التشريعية إلى العباد بأكثر مما تقتضيه العوامل الطبيعية وجهود الإنسان نفسه ، فلعلّ هناك مصلحة في عدم إيصال بعضها بالشكل المطلوب هنا ، وإيكال الأمر إلى ما تقتضيه العوامل الطبيعية وسعي الناس أنفسهم ، وما إلى ذلك مما يوجب وصول الحكم الواقعي إليهم ولو بعد مئات السنين ، وقد رأينا نظيره في المصالح الطبيعية ، فكم مضى من آلاف السنين على عمر الإنسان وهو لا يعرف دواء السلّ كما أنّه لم يتوصّل حتى الآن إلى
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 283
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٨٣