تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
على النار مهما كررنا الاعتبار ، لأنّ العلَّية هنا لم توجد حقيقة وإنّما وجدت اعتبارا ، بخلافها في محلّ الكلام ، وإلَّا لكان حال تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى حال النار والبرودة . إذن فكيف نفسر هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى ؟ هل هي علاقة ذاتية كما يتوهّم البعض ، أو تخلق بالجعل وتنشأ بالإنشاء كما عليه جملة من الناس ، أو تحصل بالتعهّد كما عليه بعض آخر ، أو أنّها شيء آخر غير هذه الأمور ؟ . كلّ ما أفيد في الأصول الرسمي من التفصيلات لكيفية تكوّن هذه العلاقة قد أوضحنا في بحث الوضع أنّها لا تصلح لتفسير هذه العلاقة ، وبيّنّا هناك حقيقة هذه العلاقة وكيفية تكوّنها ، ولا يسع المجال للتفصيل ولكنّنا نشير إلى أنّه كما توجد في باب التصديق واسطة بين الحدّ الأصغر والحدّ الأكبر وهي ما تسمّى بالحدّ الأوسط تؤدّي إلى الجزم بثبوت أحدهما للآخر ، كذلك في باب التصوّر نتصوّر موضوعين بينهما واسطة ورابطة وهي رابطة القرن الأكيد تجعل الذهن ينتقل من تصور أحدهما إلى تصور الآخر ، أي أنّ بينهما حد أوسط تصوّري أدّى إلى هذه النتيجة ، مثلا نفترض أنّ شخصا سافر إلى البصرة مرة واحدة في حياته وسرق في هذه السفرة جميع أمواله ومتاعه ثم رجع إلى محلَّه ، فهنا يوجد موضوعان : أحدهما السفر إلى البصرة والآخر السرقة وقد ارتبطا برابط القرن الأكيد بين التصوّرين في الذهن ، وبعد هذا ما دامت هذه الرابطة قائمة في عالم النّفس متى ما سمع هذا الشخص حديثا عن البصرة تذكَّر السرقة ، ونفس هذه الرابطة التي هي أمر عام في كثير من الموارد نتصوّرها في باب الوضع ونقول : إنّ وظيفة الوضع هي إحداث هذه الرابطة بين اللفظ والمعنى لا جعل الملازمة ، لأنّ الملازمة غير قابلة للجعل ، وإذا حدثت هذه الرابطة فما دامت قائمة ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى انتقالا تصوّريا ، أمّا كيف تتمّ هذه العملية