لا يخلق في ذهنه نتيجة للعلم بالوضع ، إذ هو لا يتعقّل حتى الآن معنى الوضع ومعنى الدلالة والمدلولية ونحو ذلك ، وليس حال هذا الطفل حال الرّجل الكبير الفيلسوف الَّذي يدخل بلدا ويصبح بصدد التتبّع عن استعمالات كلمة الماء من قبل أبناء اللسان ، فإذا رأى تبادر معنى لهم من هذه الكلمة جعل ذلك دليلا على الوضع .
فهذا الطفل رغم عدم تصوّره للوضع فضلا عن علمه به ، قد تكوّن لديه التبادر ، ولم يكن التبادر لديه معلولا لعلم ثابت له في الرتبة السابقة عليه بالوضع ، وبعد هذا حينما يكبر الطفل ويعرف أنّ هناك لغة ولفظا ومعنى ووضعا يستنتج من نفس التبادر الموجود لديه أنّ كلمة الماء موضوعة للمعنى الفلاني ، فقد مرّ كلّ واحد منّا بدور استنتاج الأوضاع من التبادرات ، حتى أولئك المشكلون بالدور قد مرّوا بهذه المرحلة واستخدموا هذه العلامة من دون أن يقعوا في الدور . هذا مثال وجداني لتوضيح الفكرة .
وأمّا حقيقة الفكرة في المقام فلا يسعنا تفصيل الكلام فيها هنا ، فإنّ هذه الفكرة مستقاة من مباني وتحقيقات في بحث الوضع ، وكان ينبغي جعل بحث الوضع مقدّمة لبحث الظواهر ، ولكنّنا ما دمنا نبحث وفق المنهج الرسمي المتعارف لبحث الأصول ، فقد حصل الفصل بين بحث الوضع وبحث الظواهر ، وعلى أي حال فنحن نذكر المدّعى هنا بنحو الإجمال ونستنتج منه النتيجة المقصودة :
إنّ في بحث الوضع مشكلة عويصة جدا وهي كيف نفسّر علاقة اللفظ بالمعنى ؟ وهذه العلاقة أمر حقيقيّ لا مجرّد اعتبار أو خيال ، بدليل أنّ تصوّر أحدهما يخلق حقيقة تصوّر الآخر في الذهن ، فهناك علَّية ومعلوليّة حقيقية بين الأمرين ، أعني تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ، وليست علَّية ومعلوليّة اعتبارية فرضيّة من قبيل أن تعتبر النار علَّة للبرودة بينما لا تترتّب البرودة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 252
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٥٢