هذا . ولا يمكن في المقام التمسّك بسيرة المتشرعة بالمعنى المغني عن الإمضاء لكونها في طول رأي الشارع ، لأنّ سيرة المتشرعة في المقام الا تكشف عن إذن الشارع . إذ لبس من المستبعد غفلة جميع المتشرعة عن احتمال عدم صحّة هذا المسلك ، وأن يكون عملهم بذلك تطبيقا للسيرة العقلائية القائمة على أساس النكتة الخاطئة التي لا تقتضي العادة التفاتهم إلى بطلان هذه النكتة ، أو عدم مقبوليّة هذا المسلك للشارع [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] مضى منّا أنّ سيرة المتشرعة بالمعنى العام التي تشمل سيرتهم التي يأخذونها من العقلاء يدلّ نفس استقرارها على الإمضاء ، إذ لو ردع الشارع عنها لانكسرت .
ثم إنّ ما أفاده - رحمه الله - من كون سيرة العقلاء في المقام مبنية على نكتة خاطئة ، قد يورد عليه : بأنّ التطوّر الثابت في اللَّغة ما دامت هي لغة واحدة لا يعدو عن كون الظهورات المتبدلة فيها بالقياس للظهورات غير المتبدلة قليلة فتبقى لأصالة الثبات كاشفيّتها النوعيّة . والدليل على قلَّة التطورات والتبدّلات للظهور إنّنا حينما نرجع إلى نصوص القرآن الكريم ، أو الروايات ، أو النصوص الموروثة تاريخيا نرى أنّنا نفهم منها معاني متنسقة ومقبولة بينما لو كان قد وقع التطور الكثير في الظهورات لكنّا نبتلى فيها كثيرا بعبائر غير متّسقة المعنى . وافتراض أنّ التطور والتبدّل صار دائما بنحو قد تبدّل ظهور العبارة المتّسق والمقبول بظهور آخر متّسق ومقبول بعيد بحساب الاحتمالات . وحينما يصل أمر تطوّر اللَّغة إلى هذا المستوى لا نقبل فرض بناء العقلاء على أصالة الثبات وعدم التغيّر ، والعمل بما يفهم الآن من ظهور الكلام القديم .
وقد يقصد أستاذنا - رحمه الله - أنّ تطوّر اللَّغة وتبدّل الظهور ضمن زمن طويل ليس على خلاف الطبع وإن كانت نسبة ما تبدّل إلى ما لم يتبدّل نسبة ضئيلة ، والعقلاء في باب الظواهر إنّما يتمسّكون بالأصول العقلائية لنفي ما يكون على خلاف الطبع كالغفلة وإرادة الإخفاء ونحو ذلك ، وبما أنّ التطوّر في زمن قصير يعدّ عرفا على خلاف الطبع لكون أسبابه في غاية الندرة عمّم العرف الأمر خطأ على الأمد الطويل قياسا للمقدار غير الداخل في تجربة الفرد العرفي على المقدار الداخل في تجربته .
هذا . ولا أجد بعد الاعتراف بقلَّة التطورات بالقياس إلى موارد الثبات معنى معقولا لافتراض كون الشيء القليل نسبيا خلاف الطبع تارة ووفق الطبع أخرى إلَّا بمعنى ندرة السبب وعدم ندرته ، أي أنّ كون الشيء القليل على خلاف الطبع أو عدمه يدور مدار مقدار ضآلة النسبة المئويّة لوجوده .