وبما أنّ هذا البناء من قبل العقلاء ، يشكَّل خطرا على أغراض الشارع يكون عدم ردعه عنه دليلا على إمضائه . وفعلية هذه السيرة وخطرها على أغراض الشارع إن كانت متأخرة من زمن الشارع فهذا لا يمنع عن لزوم الردع عنها على تقدير عدم رضاه بها . فإنّ الالتفات إلى أنّه سيكون أمر من هذا القبيل ، أو على الأقل احتماله أمر طبيعي ، وليس الردع عن ذلك من باب إعمال العلم بالغيب كي يقال : إنّ الأئمة عليهم السلام إنّما كانوا يبلَّغون الأحكام بالطريقة المتعارفة . هذا مضافا إلى أنّه قد تحقّقت هذه السيرة ، وتحقّق الخطر بالفعل في زمن المعصوم عليه السلام إذ أنّ المتشرّعة كانوا يعملون بظواهر النصوص المأثورة عن المعصومين الأوائل - عليهم السلام - مع أنّ الفاصل الزمني بين رسول الله صلَّى الله عليه وآله والهادي والعسكري عليهما السلام فاصل طويل ، وتلك الفترة الزمنيّة فترة متطوّرة من النواحي الاجتماعيّة والفكريّة والمادّيّة ، وعامرة بالعلوم المختلفة ، ومتحرّكة في شتى النواحي والجهات ولم تكن فترة راكدة ، وبالرغم من ذلك كان المتشرّعة يعملون بظواهر الكتاب والسنّة الواصلة إليهم من أيّ واحد من المعصومين بنهج واحد بلا رادع ولا مانع من قبل الأئمة - عليهم السلام - ، وعدم الردع دليل الإمضاء . وليس هذا إمضاء لأصالة الثبات في المقدار الثابت في زمن المعصوم من احتمال التطوّر فقط حتى يقال : إنّ التطوّر في اللَّغة قد اشتدّ في زماننا بطول المدّة ، بل هذه السيرة سنخ سيرة يكون السكوت عنها إمضاء لنكتتها . ولا نعني بإمضاء النكتة إمضاء خطأ العقلاء في تخيّلهم أنّ المدّة الطويلة كالمدّة القصيرة في الثبات النسبي للَّغة ، كي يقال : إنّه لا يعقل من الشارع إمضاء الخطأ ، وإنّما نعني بإمضائها البناء على أصالة عدم التغيّر التي هي النكتة لعملهم وإمضاؤها لا يلزم إمضاء مبانيها ، فمبانيها وإن كانت خاطئة لكن الشارع رأى بحكمته البالغة أنّ إرجاع الناس إلى أصالة عدم التغيّر أصلح من إرجاعهم إلى مرجع آخر فأمضى الأصل .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 190
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٠