ومن هنا نستثني من أصالة عدم القرينة المتصلة ما لو لم يكن احتمال القرينة ناشئا من احتمال الغفلة ، بل كان ناشئا من جهة أخرى كما لو كان السامع مبتلى بثقل السمع فاحتمل عدم سماع بعض الكلمات مما يكون قرينة صارفة ، أو كان المولى قد أرسل إلى عبده رسالة مكتوبة وتمزّق صدفة مقدار من المكتوب واحتمل العبد وجود القرينة المتصلة في المقدار التالف من المكتوب . ففي مثل هذه الموارد مما لا يكون احتمال عدم القرينة فيها راجحا نوعا على احتمال القرينة لا نسلَّم جريان أصالة عدم القرينة ، وبالتالي لا نسلَّم جريان أصالة الظهور لعدم إحراز موضوعها .
وقد تلخّص من هذا البحث : إنّ في باب القرائن المنفصلة لا أساس لأصالة عدم القرينة ولا حاجة إليها ونتمسّك رأسا بأصالة الظهور حتى فيما إذا احتملنا وجود قرينة منفصلة . وفي باب القرينة المتصلة لو لم نحتملها فلا إشكال في التمسّك بأصالة الظهور ابتداء ، ولو احتملناها جرى أصلان طوليّان : الأوّل : أصالة عدم القرينة ، وهذا الأصل ينقّح موضوع الظهور .
والثاني : أصالة الظهور التي تجري بعد تنقيح موضوعها بالأصل الأول .
وقد يقول القائل : لا دليل على وجود جعلين في المقام إذ بالإمكان إرجاع الجعلين إلى جعل واحد من باب الاختصار في الجعل مثلا بأن يقول المولى : مهما تكوّن لك الظنّ النوعيّ بالمراد من اجتماع أمرين : أحدهما :
الرجحان النوعيّ لعدم القرينة المتصلة لكون احتمالها من باب احتمال الغفلة . والثاني : الظهور في معنى معيّن على تقدير عدم القرينة المتصلة . . . فقد جعلت لك هذا الظنّ حجّة .
والواقع أنّ البحث لم يكن في افتراض أنّ العقلاء جلسوا على كرسيّ الجعل والتفتوا بالتفصيل إلى كيفية الجعل الموصلة للمطلوب من جعل واحد أو جعلين . وإنّما مقصودنا من جعل العقلاء أنّهم يعتبرون ولو بالارتكاز النكتة الكاشفة في باب الظهور قابلة للاعتماد عليها لأجل
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 172
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٢