بالقرينة ، ولكن ببرهان آخر :
وهو إنّ الأصول العقلائية تكون بحسب طبع العقلاء وارتكازهم ، وباعتراف الأصحاب أصولا معتبرة بما لها من الكشف لا أصولا تعبّدية صرفة . ومن الواضح أنّ عدم صدور القرينة المنفصلة على الخلاف إنّما حصل الظنّ به من ناحية نفس ظهور الكلام وغلبة مطابقته للواقع ، فلو لا ظهور العام في العموم مثلا وغلبة مطابقته للواقع لكان احتمال صدور الخاصّ واحتمال عدم صدوره متساويين ، والَّذي رجّح احتمال عدم صدور الخاصّ إنّما هو صدور العام ، إذن فالكشف إنّما هو لنفس الظهور الَّذي شكَّكنا في وجود قرينة منفصلة على خلافه ، ولا كاشفية إطلاقا في الرتبة السابقة على ذلك لأصالة عدم القرينة المنفصلة ، فلو افترضنا أنّ العقلاء يجرون في الرتبة السابقة على حجّية الظهور أصالة عدم القرينة لكان معنى ذلك أنّ أصالة عدم القرينة أصل تعبّدي محض لديهم . وهذا خلاف دأب العقلاء في أصولهم العقلائيّة .
وحاصل الكلام إنّه لا توجد لدينا نكتتان مستقلتان كلّ منهما توجب الظنّ النوعيّ بشيء كي يفترض وجود أصلين عقلائيين : أصالة عدم القرينة ، وأصالة الظهور . وإنّما هناك نكتة واحدة هي الظهور توجب الظنّ بأنّ المتكلم أراد ما هو الظاهر من الكلام ، ولم يرد خلافه معتمدا على قرينة منفصلة . إذن فالأصل العقلائي هنا منحصر بأصالة الظهور نتمسّك بها ما لم نعلم بالقرينة المنفصلة على الخلاف .
إذن فالوجه الثالث من الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في مستهل البحث وهو كون موضوع الحجّية عبارة عن الظهور التصديقي زائدا عدم القرينة المنفصلة على الخلاف باطل . وبعد إبطال هذا الوجه بقي الأمر دائرا بين الوجه الأول وهو كون الموضوع الدلالة التصوّرية زائدا عدم العلم بالقرينة ، والوجه الثاني وهو كون الموضوع الدلالة التصديقية زائدا عدم
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 170
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٠