وأمّا الجملة الثانية - وهي قولهم : إنّ الشارع قد أمضى هذه السيرة العقلائية . فلإثبات هذا الإمضاء طريقان :
الأول - إثبات ذلك من باب قياس المساواة ، أو الأولويّة باعتبار أنّ الشارع أحد العقلاء بل سيّدهم فلا محالة يسلك سلوك العقلاء .
وقد مضى إبطال هذا الوجه في بحث السيرة . ونقول في المقام : إنّ هذا الوجه لو تمّ في نفسه في محلَّه لا يمكن تطبيقه على ما نحن فيه ، لأنّ بناء الشارع على التقطيع في مقام البيان ، والاعتماد دائما على القرائن المنفصلة ، والمخصّصات والمقيّدات المستقلة . بينما بالنسبة لسائر العقلاء يكون التقطيع حالة استثنائية ، ونحن لم نر عاقلا غير الشارع كان بناؤه على التقطيع كي نرى أنّه هل جعل الظهور حجّة فيقاس الشارع به أو لا ؟ .
الثاني - إنّ بنائهم على الحجيّة في ما بينهم وجريهم عليها ، واعتمادهم دائما على الظهور يوجب تكوّن عادة وقريحة في نفوسهم بحيث يمشون عليها في الشرعيات أيضا ، فلو لم يكن ذلك ممضى عند الشارع لكان يردع عنه لأنّ ذلك يشكَّل خطرا على أغراض المولى ولو على مستوى مشي كثير من المتشرعة لا تمامهم وفق هذه السيرة .
ولا يقال : إنّ الردع قد حصل بأدلَّة البراءة .
لأنّا نقول بالتوسعة في متعلَّق العلم الَّذي أخذ غاية للأصل ، وأنّ المقصود به هو خطابات المولى [ 1 ] .
ولا يقال أيضا بالردع بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم . فإنّك قد عرفت أنّ الردع يكون لأجل دفع الخطر عن أغراض المولى . إذن : فكلَّما كانت السيرة أقوى وأشدّ يجب أن يكون الردع أقوى وأصرح كي يقابل تلك السيرة ، ويؤثر في التفات الناس وارتداعهم . وهذه السيرة العظيمة
شرح
[ 1 ] وإن لم نقل بذلك فحال أدلَّة البراءة حال الآيات الناهية عن العمل بغير علم .