شرح
من فقدها لما تحرك نحوها .
أقول : ان كان المقصود بهذا الكلام حصر العلة الفاعلية لتحريك الإنسان في اللذة والألم ، قلنا : ان كون اللذة والألم علة فاعلية يجب ان يرجع إلى أحد معان ثلاثة :
1 - كون اللذة والألم هما الدافعين القهريين للإنسان بلا اختيار .
2 - كونهما دخيلين في القدرة .
3 - كونهما دخيلين في تحقق الإرادة مع فرض انحفاظ القدرة والاختيار بغض النظر عنهما .
والأول يعني الجبر وعدم الاختيار ، وينهي موضوع قيم العقل العملي والمعنويات .
والثاني أيضا يعني الجبر ، إذ لو كان الالتذاذ بالشيء أو التألم من نقيضه هو الذي يحدث القدرة علي الشيء فهذا يعني عدم القدرة على النقيض ، إذ لا يلتذ به بل يتألم منه ، بينما القدرة يجب أن تكون متساوية النسبة بين الطرفين ، والا لخرجت عن كونها قدرة والثالث يرجع إلى كون اللذة والألم دخيلين في العلة الغائية . إذ مع تمامية الالتفات إلى العلة الغائية ومع تمامية القدرة على الشيء لا معنى لتوقف انقداح الإرادة على شيء آخر كاللذة والألم . فتوقف ذلك عليه اما يعني دخله في القدرة ، أو يعني دخله في الغاية المطلوبة .
وقد يقال : ان العلة الغائية التي هي متأخرة في الوجود عن المعلول تكون بوجودها العلمي هي العلة الفاعلية لتحريك الإنسان ، وهي المقترنة للمعلول زمانا والمتقدمة عليه رتبة . وللإنسان في عمله للخير علتان غائيتان ، إحداهما : النتيجة المطلوبة التي يلتذ بها أو يتألم بفقدها ، والثانية : نفس ذاك الالتذاذ أو التخلص من الألم . والأولى وحدها لا تصبح بوجودها العلمي علَّة فاعلية ، ولا تحرك الإنسان ، وذلك لأنها مزاحمة بعلة غائية أخرى وهي : راحة الفاعل . فإن الفاعل كما يحبّ راحة اليتيم كذلك يحب راحة نفسه ، والمفروض ان ذاك العمل يتعبه ويأخذ شيئا من نشاطه ، والإنسان يحب راحة ومصلحة نفسه - مهما كانت صغيرة وضئيلة - أكثر من حبه لراحة ومصلحة الآخرين - مهما كانت كبيرة - . اما الثانية : فهي التي تعوض ما فقده من الراحة الشخصية براحة شخصية أخرى ، وقد تكون أكبر بكثير من الراحة المفقودة . وبذلك تتم العلة الفاعلية ، أي يصبح العلم بها علَّة فاعلية . ولعل هذا هو مقصوده - رضوان الله تعالى عليه - من كون اللذة والألم علة فاعلية .
الا ان هذا البيان أيضا غير تام لأمرين :