تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
شرح
الأول : ان من البديهي ان الراحة الشخصية الثانية أحيانا تفوق الراحة الشخصية الأولى ، ومن الواضح أيضا ان الراحة الشخصية الثانية تساوي مدى حبه ورغبته إلى ما اشتاق إليه من راحة الآخرين ، وهذا يعني ان ما اشتاق إليه من راحة الآخرين يفوق اشتياقه إلى راحة نفسه ، اذن فلما ذا يفترض ان هذا لا يحركه نحو المطلوب ما لم ينضمّ إلى الراحة الثانية ؟ والثاني : انه ليس دائما التحرك والعمل متعبا وفاقدا للراحة . فحينما نفترض مستوى من العمل لا ينافي الراحة ولا يوجب التعب ، غاية ما هناك ان صدوره من الإنسان بحاجة إلى داع له ، وفرضنا انه اشتاق ولو بدرجة ضعيفة إلى نتيجة هذا العمل من راحة الآخرين ، فلما ذا لا يحرّكه ذلك ما لم ينضمّ إلى الراحة الشخصية التي تتولد من راحة الآخرين ؟ . وخلاصة الكلام : انه ليس المحرك الأساس الذي يمكن وراء كل الأعمال البشرية دائما هو حب اللذة وبغض الألم ، بل نفس اشتياقه لأعمال الخير يكون دافعا ومحرّكا . نعم لا نتحاشى عن ثلاثة أمور : الأول : بداهة استحالة انفكاك حب الذات - بمعنى حب اللذة وبغض الألم - من الإنسان ما لم يبدّل إلى طبيعة أخرى . الثاني : ان اللذة والألم يرافقان دائما الأعمال الخيرية - فيمن يحب الخير - أو فقدانها ، باعتبار ان الوصول إلى المحبوب يوجب اللذة ، وفقدانه يوجب الألم . الثالث : ان هذه اللذة والألم يساعدان على الأعمال الخيّرة ، ويصبحان دافعا آخر إلى صف دافعه الأول ، فيؤكد أو يكمّل أثره ، ويتفق في كثير من الأحيان ان الدافع الأول - لولا الدافع الثاني - ناقص وغير كاف لتحريك الإنسان في مقابل ما يملكه من حب الراحة مثلا . فتلك الانفعالات العاطفية والتأثرات النفسية والالتذاذات الروحية تكمّل الدافع وتحرك الإنسان . ولعل هذا هو الذي أوحى إلى ذهن سيدنا الأستاذ الشهيد رضوان الله عليه بما قاله في مقدمة فلسفتنا ونقلناه عنه .