جعل الحكم وفق ما حكم به العقل العمليّ . اذن فحكم العقل العمليّ لا هو مناف لحكم الشارع ، ولا هو مستلزم له ، وانما يكون حكم الشارع وعدمه تابعا لمدى اهتمام المولى بالفعل أو الترك . هذا .
وعدم جعل الحكم من قبل المولى بناء على نفي الملازمة - فيما لو كان الحسن والقبح حكمين عقلائيين - يؤمّن من عقاب المولى ، لكنه لا يؤمن على هذا المبنى - وهو واقعية الحسن والقبح - من عقابه . فإن نفس الحسن والقبح الواقعيين عند إدراكهما يكفيان للاستحقاق الواقعي للمدح والذم ، ومدح المولى ثوابه وذمه عقابه . فالعقل العملي وان لم يكن مثبتا للحكم الشرعي لكنه مثبت لنتيجته من استحقاق الثواب والعقاب [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] لا يخفى ان الحسن والقبح يستتبعان أمرين مختلفين في الهوية ، أحدهما : ما قد نسميه بالمدح والذم بالمعنى الذي يكون عبارة عن مجرد التحسين والتقبيح للفاعل وسريرته . والثاني : المجازاة والمكافأة . التي يستحقها الشخص بحكم العقل العملي ، وهو الثواب والعقاب . هذا بناء على واقعية الحسن والقبح . اما بناء على عقلائيتها ، فالتحسين والتقبيح أيضا نوع مكافأة عقلائية تأديبا ومنعا عن المفاسد . ويشهد لتعدد الأمرين وعدم رجوع أحدهما إلى الآخر ان المدح والذم يعدّان من حق كل أحد يطلع على صدور الحسن أو القبيح من هذا الإنسان ، بينما الثواب والعقاب يثبتان - بناء على واقعية الحسن والقبح - على من أحسن بشأنه ، ولمن هضم حقه ، ويثبتان أيضا لولي المجتمع كتأديب ، ودفع للمفاسد ، وجلب للمصالح .
ورأيت المحقق الأصفهاني ( رحمه اللَّه ) في بحثه عن الانسداد في نهاية الدراية ملتفتا إلى تعدد الأمرين ، الا انه يقول : ان المدح والذم قد يقصد بهما معنى أعمّ ، بحيث يشمل الثواب والعقاب ، وبهذا المعنى يؤمن بأنّ مدح المولى ثوابه وذمه عقابه . فإن كان أستاذنا الشهيد ( رحمه اللَّه ) يقصد هذا المعنى ، فلا بأس بذلك . واما ان كان المقصود إنكار وجود أمرين متباينين هويّة ، يستتبعهما الحسن والقبح ، وكأنهما لا يستتبعان إلا شيئا واحدا ، وهو المدح والذم ، ومدح المولى ثوابه وذمّه عقابه ، فهو غير صحيح . ثم إن استتباع الحسن والقبح العقليين للثواب والعقاب من قبل المولى ، من دون استلزامهما لحكم المولى ، قد يورد عليه : - بعد