شرح
ما اتضح من الفرق بين المدح والذم والثواب والعقاب ، وان العقاب انما هو شأن المظلوم أو شأن ولي المجتمع للتأديب ودفع المفاسد - بأنه لا مبرّر للعقاب في عالم الآخرة من قبل المولى ، لا بملاك التأديب ودفع المفسدة ، لأن المفروض أنها قد انتهت حياة الدنيا ، ولا فائدة في التأديب ، ولا بملاك المظلومية ، لأنه لم يظلم المولى ، إذ لم يكن المولى قد حكم بشيء حتى تكون مخالفته ظلما له فيستحق العقاب من قبله بحكم العقل العملي .
والواقع ان حكم العقل العملي يكشف عن عدم رضا المولى بمخالفته ، للقطع بأن المولى لا يرضى بالقبيح . فروح الحكم ثابت ، وقاعدة الملازمة بهذا المعنى تامة ، ومخالفة العقل العملي مخالفة للمولى بهذا المعنى . فيكون قد ظلم المولى ، ويستحق العقاب . نعم الحكم بملاك اهتمام إضافي وزيادة على المقدار الذي أدركه العقل بحاجة إلى إبراز من قبل المولى ، ولا يستلزمه حكم العقل . فإن كان مقصود أستاذنا الشهيد - ره - هو هذا المعنى الذي شرحناه فهو تام .
وفي ختام الكلام لا بأس بأن نتعرض بالمناسبة لما هو المحرك الحقيقي للإنسان نحو الأعمال الحسنة وترك الأعمال القبيحة فنقول : قد أفاد أستاذنا الشهيد ( رحمه اللَّه ) في مقدمة كتاب فلسفتنا ما حاصله : ان حب الذات يكمن وراء الحياة الإنسانية كلها ، ويوجّهها بأصابعه . فحبّ الذات - بمعنى حب اللذة وبغض الألم - هو الذي يفسّر سلوك الإنسان في مجالات الأنانية والإيثار على السواء ، ولا يمكن تكليف الإنسان ان يتحمّل مختارا مرارة الألم دون شيء من اللذة ، في سبيل ان يلتذ الآخرون ويتنعموا . الا إذا سلبت منه إنسانيته ، وأعطى طبيعة جديدة لا تتعشق اللذة ، ولا تكره الألم . ولدى الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة مادية - كالطعام والشراب والمتع الجنسية وما إليها - أو معنوية - كالالتذاذ الخلقي والعاطفي بقيم خلقية ، أو أليف روحي أو عقيدة معينة وما إليها - وهذه الاستعدادات تنضج بعضها عند الإنسان بصورة طبيعية كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلا ، بينما نجد ان ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظل تنتظر عوامل التربية التي تساعدها على نضجها وتفتحها . وغريزة حب الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعا تحدد سلوك الإنسان وفقا لمدى نضج تلك الاستعدادات . فطريق تربية الإنسان وجعله على مستوى التضحية والإيثار وما إلى ذلك هو : إدخال هذه الأمور في دائرة التذاذاته ، وإدراجها في حيطة حب الذات . وذلك يتم بأسلوبين ، قد سلكها الأنبياء العظام صلوات اللَّه عليهم أجمعين .