شرح
أحدهما : ان يفهم هذا الإنسان ان الحياة ليست عبارة عن هذه الحياة الدنيوية القصيرة ، بل وراءها حياة دائمة . وما يترائى من التزاحم بين المصالح الشخصية الضيّقة ومصالح الإيثار والتضحية إنما هو بلحاظ هذه الحياة القصيرة المدى ، وما يرى بالنظرة القصيرة خلاف المصلحة الشخصية قد يرى بالنظرة الواسعة وفق المصلحة الشخصية .
والثاني : إنضاج وتنمية تلك الاستعدادات الخلقية الخيّرة ، كي يلتذّ الإنسان بالأعمال الخيرة ، وبذلك تدخل تلك التضحيات والإيثارات في دائرة اللذات الشخصية وحب الذات .
أقول : ان كان المقصود بهذا الكلام كون العلَّة الغائية لأفعال الإنسان - حتى التضحيات والإيثارات - هي اللذة الشخصية ، والتخلص الشخصي من الألم ، فهذا خلاف الواقع . فإن اللذة والألم الروحيين انما ينشئان من الوصول إلى المحبوب أو فقده ، أو لقاء المبغوض أو فقده . فهناك حب وبغض متعلق بشيء في المرتبة السابقة على اللذة والألم . أي ان هناك ما يكون مطلوبا للإنسان ويكون غاية يصبو إليها في المرتبة السابقة على اللذة والألم والحب والبغض غير اللذة والألم ، ولذا يكونان فعليين قبل اعتقاد فعلية المحبوب والمبغوض ، بينما اللذة والألم يصبحان فعليين باعتقاد فعلية المحبوب والمبغوض .
والحاصل ان العلة الغائية لمن يحبّ الإحسان إلى اليتيم هي ارتياح اليتيم ، لا ارتياحه هو فحسب ، وان كان يترتب على ذلك ارتياحه هو . وهذا هو السر فيما يحكم به العقل العملي من أن من يحسن إلى شخص حبّا له يكون مدينا له بدرجة غير ثابتة فيما لو أحبّ إحسانه ولكنه لم يقدر خارجا على إحسانه . فلو كان صدور الإحسان منه لأجل التذاذه هو فحسب دون التذاذ محبوبة ، كان حاله حال من أحبّ ذاك المحبوب والإحسان إليه ولكنه لم يتمكن من ذلك . فإن من تمكن من ذلك وفعل انما فعل لأجل نفسه ، فلا موجب للامتنان منه إلا بنكتة انه سنخ إنسان يلتذ براحة ذاك الشخص ، وهذا أمر مشترك على حد سواء بين من قدر على الإحسان ومن عجز عنه .
وان كان المقصود بهذا الكلام حصر العلَّة الفاعلية لتحريك الإنسان في اللذة والألم دون العلة الغائية ، كما فسّر هو - رضوان اللَّه عليه - كلامه بذلك ، حينما أشكلت عليه بما سبق أو ببعض ما سبق ، فذكر انه : ليس المقصود ان الإنسان حينما يقوم بمثل عمليات الإيثار يقوم بها لغاية التذاذه هو ، بل غايته نفس النتائج التي يلتذّ بها وانما المقصود : ان التذاذه بتلك النتائج هو العلة الفاعلية المؤثرة في اندفاعه نحوها . ولولا التذاذه بها أو تألَّمه