ثم لا يخفى أنّ الاستخارة وإن كانت من العباديات ; لما أخذ فيها من الدعاء والتوسل وتفويض الأمر إلى الله ، إلاّ أنّ موارد استعمالها لما كانت عامّة شاملة لجميع أمور الانسان وعامّة شؤون عيشه ، فهي تكون في سعة نطاقها كالقرعة ، بل هي أوسع منها ; لعدم كلام ولا نزاع في سعة نطاقها ، بخلاف القرعة ; حيث ذهب جماعة إلى اختصاص القرعة بمواردها المنصوصة ، وقد خصّها بعض بالحقوق المتنازع فيها . وليس شيءٌ من هذه الاختلافات في سعة نطاق الاستخارة .
رفع التحيُّر وتحصيل العزم الراسخ
إنّ من أعظم فوائد الاستخارة رفع التحيُّر في أمور العيش والوصول إلى عزم راسخ واكتساب قوّة إرادة في الأفعال . وإنّ قوّة الإرادة واستحكام العزم والجزم
فيه من أهم عوامل التوفيق والتقدم والانجازات الملموسة ، كما أنّ رفع الحيرة وإزالة اليأس ، ونفث روح التأميل وإضاءة الطريق وتنوير مستقبل الأمور ، من أعظم أسباب التوفيق والنجاح في صعوبات العيش ومزالّ الأقدام ، وإنّ لذلك دوراً كبيراً للفلاح في كل أمر خطير .
وذلك أنّ كثيراً من أمور العيش تختفي مصالحها الواقعية عن فكر البشر ، ولا يتمكن الانسان من الخروج عن وادي التحيّر ولا من رفع الشك والترديد بالفكر ولا بمشاورة الناس .
ففي مثل هذه الموارد أيّ مشاور أعلم وأصلح من الخالق السبحان ؟ ! وليست الاستخارة ، إلاّ مشاورة الربّ الجليل ، كما أشار إليه الإمام ( عليه السلام ) في ذيل رواية - واردة في الاستخارة بالرقاع - : « هكذا شاور ربّك » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الوسائل : ب 2 ، من صلاة الاستخارة ، ح 2 .