أما تعويض العلم عن كل أشكال البينات ، فلأن العلم أقوى منها جميعا ويرد فيه جميع الاستدلالات السابقة ، نعم تعويض الاطمئنان كعلم عرفي ، كما قلنا عن البينة ذات الأربعة شهود ، قد يقال إنه ليس بالأولوية بل بالمماثلة ، وهذا يكفي ، مضافا إلى صحة ورود الوجهين الثاني والثالث فيهما ، كما لا يخفى على فطنة القارئ اللبيب .
ونكتفي بهذا المقدار من الحديث عن حكم المدعي والمنكر . وهو الجهة الأولى .
الجهة الثانية : في معنى المدعي والمنكر .
وهي الجهة الأساسية التي عقدنا لها هذا الفصل :
ولا بد لنا أولا من ذكر الوجوه المحتملة والمذكورة في تعريفها ثم مناقشة ما لا يصح منها بمقدار ما يناسب مستوي هذا الكتاب ، ثم اختيار ما هو الصحيح منها لنصير بعد ذلك إلى الجهة الأخرى وهي أن لحاظ المعنى هل هو في أصل القضية أو في ظاهرها ، كما سوف تفسره في حينه .
وما قيل وما يمكن أن يقال في تفسير وتعريف المدعي والمنكر في عدة وجوه :
الوجه الأول : أن المدعي هو طرف الإثبات والمنكر هو طرف النفي أو الطرف النافي ، ويقول آخر : إن المدعي من قال : نعم . والمنكر من قال :
لا .
وهذا الوجه استيحاء مباشر من لفظ المدعي والمنكر . إلا أنه سيظهر عن قريب أنه ساذج إلى درجة لا يكون قابلا لأن يكون قاعدة عامة . وإن كان الأغلب في المدعين والمنكرين هم على هذه الصفة .
الوجه الثاني : إن المدعي هو من يسميه العرف مدعيا والمنكر هو الذي يسميه العرف منكرا . لأننا دائما نفهم الأدلة الشرعية فهما عرفيا في الفقه .
والأدلة الدالة على تسمية المدعي والمنكر وأحكامهما ، لا ينبغي أن تخرج عن هذه القاعدة .