فكأنما خمر ولا قدح * وكأ نما قدح ولا خمر ( 1 )
وهو في عالم الأمر والكلمة الإلهية التي أشير إليها في حديث كميل ، وجعل
لها خمس قوى منها البقاء في الفناء والنعيم في الشقاء ، بل هو أعلى من هذه
المرتبة أيضا ، وهذه المرتبة أقدم وأشرف بالنسبة إلى النبوة والرسالة بل فوقها
بمراتب كثيرة .
ولهذا ذكر في آية الإسراء بلفظ العبد دون أن يقال : بنبيه ورسوله ، إذ لولا هذا
النحو من العبودية لم يكن له أن يعرج بالمعراج الجسماني ، ويسير في جميع
ذرات الموجودات من الدرة إلى الذرة ، والدنيا والآخرة ، والعوالم الزمانية
والدهرية والسرمدية كلها في دقيقة واحدة ، وفي بعض الأخبار في ساعة واحدة .
وليس المراد الساعة المعهودة ، بل المراد تقليل المدة ، وبلحاظ هذا المقام قال
عليه الصلاة والسلام : ( ( من رآني فقد رأى الحق ) ) ( 2 ) أي من حيث الحكاية لا
الحلول ولا العينية ، كما لو قال المرآة المقابلة للشمس المواجهة لها : من رآني فقد
رأى الشمس ، فإنه صحيح بالوجه الأول دون الأخيرين لعدم صحتهما البتة .
وكل من زكى نفسه وأطاع ربه ، فيكون له في رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أسوة حسنة بقدر ما حصل من التزكية وما فيه من القابلية ، فيحصل له نوع مظهرية
هامش
( 1 ) راجع تفسير صدر المتألهين 3 : 190 ، ثم قال ( قدس سره ) :
وهذا الدعوى - أي فنآء العبد عن نفسه وبقائه بنور الحق على ما هو مشهود العارفين
بالعيان - مما أقيم عليه البرهان ، وهو معلوم من علم النفس وكيفية تطوراتها في الأطوار
واتحادها في مدارج الاستكمال بالعقل الفعال . . . ومثاله حال الفراش مع الشمع واشتعاله
بشعلة الشمع ، فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده . . . ومثال آخر :
الحديدة الحامية بالنار حيث إنها لا يزال تتقرب وتتشبه بالنار حتى تزول عنها الهوية
الحديدية ، وتصير فانية في هوية النارية ، وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة .
فلا تتعجب من النفس إذا استشرقت بنور الله ، واتصلت بعالم الربوبية وتخلقت بأخلاق
الله ففعلت ما فعلت بقدرة الله لا بقدرتها ، وسمعت بسمع الله ، وبصرت ببصره . . .
( 2 ) النهاية 1 : 413 / حقق ، عنه البحار 61 : 235 ، وتفسير صدر المتألهين 2 : 201 ، وشرح
دعاء الصباح للسبزواري : 31 ، وأورده البخاري في صحيحه 9 : 653 ح 1830 كتاب التعبير .