قال النحويون أَصلُها ما مَنَعَتْ إِنَّ من العمل ، ومعنى إِنَّما إثباتٌ لما يذكر بعدها ونَفْيٌ لما سِواه كقوله : وإِنَّما يُدافِعُ عن أَحْسابِهم أَنا أَو مِثْلي ؛ المعنى ما يُدافعُ عن أَحسابهم إِلَّا أَنا أَو مَنْ هو مِثْلي ، والله أَعلم .
التهذيب : قال أَهل العربية ما إِذا كانت اسماً فهي لغير المُمَيِّزِين من الإِنس والجِنِّ ، ومَن تكون للمُمَيِّزِين ، ومن العرب من يستعمل ما في موضع مَنْ ، مِن ذلك قوله عز وجل : ولا تَنكِحوا ما نَكَح آباؤكم من النِّساء إِلا ما قد سَلَفَ ؛ التقدير لا تَنْكِحُوا مَنْ نَكَحَ آباؤكم ، وكذلك قوله : فانْكِحُوا ما طابَ لكم من النِّساء ؛ معناه مَنْ طابَ لكم .
وروى سلمة عن الفراء : قال الكسائي تكون ما اسماً وتكون جَحْداً وتكون استفهاماً وتكون شرطاً وتكون تَعَجُّباً وتكون صِلةً وتكون مَصْدَراً .
وقال محمد بن يزيد : وقد تأْتي ما تَمْنَع العامِلَ عَملَه ، وهو كقولك : كأَنَّما وَجْهُكَ القمرُ ، وإِنما زيدٌ صَدِيقُنا .
قال أَبو منصور : ومنه قوله تعالى : رُبَّما يَوَدُّ الذين كفروا ؛ رُبَّ وُضِعَت للأَسماء فلما أُدْخِل فيها ما جُعلت للفعل ؛ وقد تُوصَلُ ما بِرُبَّ ورُبَّتَ فتكون صِلةً كقوله :
ماوِيَّ ، يا رُبَّتَما غارةٍ * شَعْواء كاللَّذْعةِ بالمِيسَمِ
يريد يا رُبَّتَ غارة ، وتجيءُ ما صِلَةً يُريد بها التَّوْكِيدَ كقول الله عز وجل : فبِما نَقْضِهم مِيثاقَهُم ؛ المعنى فبِنَقْضِهم مِيثاقَهم ، وتجيء مصدراً كقول الله عز وجل : فاصْدَعْ بما تؤمر ؛ أَي فاصْدَعْ بالأَمر ، وكقوله عز وجل : ما أَغْنى عنه مالُه وما كَسَبَ ؛ أَي وكَسْبُه ، وما التَّعَجُّبِ كقوله : فما أَصْبَرَهم على النار ، والاستفهام بما كقولك : ما قولُك في كذا ؟ والاسْتِفهامُ بما من الله لعباده على وجهين : هل للمؤمنِ تَقْريرٌ ، وللكافر تَقْرِيعٌ وتَوْبيخٌ ، فالتقرير كقوله عز وجل لموسى : وما تِلكَ بيَمِينك يا موسى قال هي عَصايَ ، قَرَّره الله أَنها عَصاً كراهةَ أَن يَخافَها إِذا حوَّلها حَيَّةً ، والشَّرْطِ كقوله عز وجل : ما يَفْتَح الله للناسِ من رَحْمَة فلا مُمْسِكَ لها وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لَه ، والجَحْدُ كقوله : ما فَعَلُوه إِلَّا قَليلٌ منهم ، وتجيء ما بمعنى أَيّ كقول الله عز وجل : ادْعُ لَنا رَبَّك يُبَيِّن لنا ما لَوْنُها ؛ المعنى يُبَيِّن لنا أَيُّ شيء لَوْنُها ، وما في هذا الموضع رَفْعٌ لأَنها ابْتداء ومُرافِعُها قوله لَوْنُها ، وقوله تعالى : أَيّاً ما تَدْعُوا فله الأَسْماء الحُسْنى ؛ وُصِلَ الجَزاءُ بما ، فإِذا كان اسْتِفْهاماً لم يُوصَلْ بما وإِنما يُوصَلُ إِذا كان جزاء ؛ وأَنشد ابن الأَعرابي قول حَسَّانَ :
إِنْ يَكُنْ غَثَّ من رَقاشِ حَديثٌ ، * فبما يأْكُلُ الحَدِيثُ السِّمِينا
قال : فبما أَي رُبَّما .
قال أَبو منصور : وهو مَعْروف في كلامهم قد جاءَ في شعر الأَعشى وغيره .
وقال ابن الأَنباري في قوله عز وجل : عَما قَلِيل ليُصْبحُنَّ نادِمينَ .
قال : يجوز أَن يكون معناه عَنْ قَليل وما تَوْكِيدٌ ، ويجوز أَن يكون المعنى عن شيءٍ قليل وعن وَقْتٍ قليل فيصير ما اسماً غير تَوكيد ، قال : ومثله مما خَطاياهُمْ ، يجوز أَن يكون من إِساءَة خَطاياهم ومن أَعْمال خَطاياهم ، فنَحْكُمُ على ما من هذه الجِهة بالخَفْض ، ونَحْمِلُ الخَطايا على إِعرابها ، وجَعْلُنا ما مَعْرِفةً لإِتْباعِنا المَعْرِفةَ إِياها أَوْلى وأَشْبَه ، وكذلك فبِما نَقْضِهم مِيثاقَهم ، معناه
لسان العرب — صفحة 473
مساهمون: ابن منظور
ص٤٧٣