ما إنَّ العُصْبةَ لَتَنُوءُ بِمفاتِحِه ، فَحُوِّلَ الفِعْلُ إلى المَفاتِحِ ، كما قال الراجز :
إِنَّ سِراجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُه ، * تَحْلى به العَيْنُ ، إذا ما تَجْهَرُه
وهو الذي يَحْلى بالعين ، فإذا كان سُمِعَ آتوا بهذا ، فهو وَجْه ، وإلَّا فإن الرجُلَ جَهِلَ المعنى .
قال الأَزهري : وأَنشدني بعض العرب :
حَتَّى إذا ما التَأَمَتْ مَواصِلُه ، * وناءَ ، في شِقِّ الشِّمالِ ، كاهِلُه
يعني الرَّامي لما أَخَذَ القَوْسَ ونَزَعَ مالَ عَلَيْها .
قال : ونرى أَنَّ قول العرب ما ساءَكَ وناءَكَ : من ذلك ، إلَّا أَنه أَلقَى الأَلفَ لأَنه مُتْبَعٌ لِساءَكَ ، كما قالت العرب : أَكَلْتُ طَعاماً فهَنَأَني ومَرَأَني ، معناه إذا أُفْرِدَ أَمْرَأَني فحذف منه الأَلِفِ لما أُتْبِعَ ما ليس فيه الأَلِف ، ومعناه : ما ساءَكَ وأَناءَكَ .
وكذلك : إنِّي لآتِيه بالغَدايا والعَشايا ، والغَداةُ لا تُجمع على غَدايا .
وقال الفرَّاءُ : لَتُنِيءُ بالعُصْبةِ : تُثْقِلُها ، وقال :
إنِّي ، وجَدِّك ، لا أَقْضِي الغَرِيمَ ، وإِنْ * حانَ القَضاءُ ، وما رَقَّتْ له كَبِدِي
إلَّا عَصا أَرْزَنٍ ، طارَتْ بُرايَتُها ، * تَنُوءُ ضَرْبَتُها بالكَفِّ والعَضُدِ
أَي تُثْقِلُ ضَرْبَتُها الكَفَّ والعَضُدَ .
وقالوا : له عندي ما سَاءَه وناءَه أَي أَثْقَلَه وما يَسُوءُه ويَنُوءُه .
قال بعضهم : أَراد ساءَه وناءَه وإِنما قال ناءَه ، وهو لا يَتَعدَّى ، لأَجل ساءَه ، فهم إذا أَفردوا قالوا أَناءَه ، لأَنهم إنما قالوا ناءَه ، وهو لا يتعدَّى لمكان سَاءَه ليَزْدَوِجَ الكلام .
والنَّوْءُ : النجم إذا مال للمَغِيب ، والجمع أَنْواءٌ ونُوآنٌ ، حكاه ابن جني ، مثل عَبْد وعُبْدانٍ وبَطْنٍ وبُطْنانٍ .
قال حسان بن ثابت ، رضي اللَّه عنه :
ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِها . * إذا قَحَطَ الغَيْثُ ، نُوآنُها
وقد ناءَ نَوْءاً واسْتَناءَ واسْتَنْأَى ، الأَخيرة على القَلْب .
قال :
يَجُرُّ ويَسْتَنْئِي نَشاصاً ، كأَنَّه * بِغَيْقةَ ، لَمَّا جَلْجَلَ الصَّوْتَ ، جالِبُ
قال أَبو حنيفة : اسْتَنْأَوُا الوَسْمِيَّ : نَظَرُوا إليه ، وأَصله من النَّوْءِ ، فقدَّم الهمزةَ .
وقول ابن أَحمر :
الفاضِلُ ، العادِلُ ، الهادِي نَقِيبَتُه ، * والمُسْتَناءُ ، إذا ما يَقْحَطُ المَطَرُ
المُسْتَنَاءُ : الذي يُطْلَبُ نَوْءُه .
قال أَبو منصور : معناه الذي يُطْلَبُ رِفْدُه .
وقيل : معنى النَّوْءِ سُقوطُ نجم من المَنازِل في المغرب مع الفجر وطُلوعُ رَقِيبه ، وهو نجم آخر يُقابِلُه ، من ساعته في المشرق ، في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً .
وهكذا كلُّ نجم منها إلى انقضاء السنة ، ما خلا الجَبْهةَ ، فإن لها أَربعة عشر يوماً ، فتنقضِي جميعُها مع انقضاءِ السنة .
قال : وإنما سُمِّيَ نَوْءاً لأَنَّه إذا سقط الغارِبُ ناءَ الطالِعُ ، وذلك الطُّلوع هو النَّوْءُ .
وبعضُهم يجعل النَّوْءَ السقوط ، كأَنه من الأَضداد .
قال أَبو عبيد : ولم يُسْمع في النَّوْءِ أَنه السُّقوط إلا في هذا الموضع ، وكانت العرب تُضِيفُ الأَمْطار والرِّياح والحرَّ والبرد إلى الساقط منها .
وقال
لسان العرب — صفحة 175
مساهمون: ابن منظور
ص١٧٥