اعلم أن الأنبياء بعثوا بالرحمة واللطف ، فلا يقصدون بالقتل إلا المبارز بالعناد ، وكذلك لا يبلغ أذى المشرك إلى أن يدمي وجه نبي الله إلا وقد فاق في العناد ، فصلح هذا أن يقاتل بشدة الغضب عليه . وقد كانت تدمية وجه رسول [ صلى الله عليه وسلم ] يوم أحد ، ويومئذ قتل أبي بن خلف .
فأما تدمية وجهه ، فإنه لما فر الناس ثبت [ صلى الله عليه وسلم ] في عصابة من أصحابه عددهم أربعة عشر ، فجعل يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ، وأصيبت رباعيته وكلم في وجنته ووجهه ، وعلاه ابن قميئة بالسيف فضربه على شقه الأيمن ، فاتقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلت إصبعه ، وحينئذ قال : « كيف يفلح قوم دموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل » فنزلت : * ( ليس لك من الأمر شيء ) ( 1 ) الآية [ آل عمران : 128 ] .
وأما قتله أبي بن خلف ، فقد روى محمد بن سعد عن سعيد بن المسيب أن أبي بن خلف أسر يوم بدر ، فلما افتدي من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرق ذرة لعلي أقتلك عليها ، فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : « بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله تعالى » فلما كان يوم أحد أقبل يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه ، فقال لهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : « استأخروا ، استأخروا » وأقام ( 2 ) رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عليه بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت ضلعا من أضلاعه ، فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه ، وطفقوا يقولون له : لا بأس ، فقال لهم أبي : ألم يقل لي : « بل أنا أقتلك إن شاء الله » فمات ببعض الطريق ، فدفنوه ، وفيه أنزلت :
هامش
( 1 ) البخاري « المغازي » ( 7 / 365 ) ، ومسلم ( 1792 ) .
( 2 ) في « الطبقات » « فقام » .