الثالث : أن المعدوم مقدور ، وكل مقدور متميز ، فإنا نميز بين الحركة يمنة
ويسرة ، وبين الحركة إلى السماء ، ونحكم بقدرتنا على إحدى الحركتين دون
الأخرى ، فلولا تميز كل واحدة منهما عن الأخرى ، لاستحال هذا الحكم .
وأما المقدمة الثانية فلأن التميز صفة ثابتة للمتميز ، وثبوت الصفة يستدعي
ثبوت الموصوف لأنه فرع عليه .
والجواب : أن التميز لا يستدعي الثبوت عينا ، وإلا لزم منه محالات :
أحدها ( 1 ) : أن المعلوم قد يكون مستحيل الوجود لذاته ، كشريك الباري تعالى ،
واجتماع الضدين وغيرهما ، ويتميز أحدهما عن الآخر . فلو اقتضى التميز الثبوت
العيني لزم ثبوت المستحيلات ، مع أنهم وافقونا على انتفاء المستحيل .
الثاني : أن المعلوم قد يكون مركبا ( 2 ) ووجودا ، وليس بثابت في العدم اتفاقا .
الثالث : أن المقدورية لو استدعت الثبوت لانتفت ، إذ لا قدرة على الثابت ( 3 )
وكذا المرادية .
قال : والإمكان اعتباري يعرض لما وافقونا على انتفائه .
أقول : هذه الحجة الثانية لهم على ثبوت المعدوم ، وهو أنهم قالوا : إن المعدوم
ممكن ( 4 ) ، وإمكانه ليس أمرا عدميا ، وإلا لم يبق فرق بين نفي الإمكان وبين
هامش
( 1 ) هكذا في النسخ كلها ، والصواب : إحداها . . الثانية . . الثالثة .
( 2 ) يعني به المركبات الخيالية كجبل من الياقوت وبحر من الزيبق ، وفي بعض النسخ مركبا
خياليا ، ولكن الصواب أن خياليا تعليقة أدرجت في الكتاب .
ثم إن النسخ كلها متفقة على قوله : ( وليس بثابت في العدم اتفاقا ) ، وفي المطبوعة ليس بثابت
في العين اتفاقا ، وكان العدم بدل بالعين من ظاهر قوله : ولو اقتضى التمييز الثبوت عينا .
والصواب هو العدم ، لأن المثبتين قائلون بثبوت المعدومات في العدم ، وقد تقدم كلام
الشارح العلامة آنفا : هذا برهان آخر دال على انتفاء الماهيات في العدم .
بل وسيأتي تصريح المحقق الطوسي في ذلك في أول المسألة الثالثة عشرة .
( 3 ) وقد مرت الإشارة إليه في قوله : وكيف تتحقق الشيئية . . الخ .
( 4 ) يعني به المعدوم الممكن الذي سموه ثابتا لا المعدوم الممتنع المسمى عندهم بالمنفي .