ذاتي كحال الهرة عند أهابها ، ومنه عرضي كبدن الانسان عند قميصه . وأما
المصنف رحمه الله فإنه حصل هذه المقولة وبين أنها عبارة عن نسبة التملك قال رحمه الله :
ولخفائها عبر المتقدمون عنها بعبارات مختلفة كالجدة والملك وله .
المسألة التاسعة
في مقولتي الفعل والانفعال
قال : الثامن والتاسع أن يفعل وأن ينفعل .
أقول : هاتان مقولتان ذهب الأوائل إلى أنهما ثابتان عينا وهما عبارة عن
تأثير الشئ في غيره وتأثره عنه ما دام التأثير والتأثر موجودين ، وإذا انقطعا قيل
لهما : فعل وانفعال ، فإن الجسم ما دام في الاحتراق قيل له هو ذا يحترق ( 1 ) فإذا
هامش
( 1 ) هو ذا كلمة واحدة معناها بالفارسية : اينك ، اكنون ، آنك .
وفي طبيعيات أرسطو ( ص 465 ط 1 القاهرة ) : وأما هو ذا فإنه الجزء من الزمان المستقبل
القريب من الآن الحاضر غير المنقسم ، مثال ذلك أن تقول : متى تمضي ؟ فيقال لك : هو ذا
يمضي ، أي الوقت الذي هو مزمع بالمضي فيه قد أزف .
ومن الزمان السالف ما ليس ببعيد من الآن ، مثال ذلك أن تقول : متى تمضي ؟ فيقال لك : هو ذا
قد مضيت . ولسنا نقول : إن مدينة ايليون هو ذا قد فتحت ، لأن فتحها كان بعيدا جدا من الآن .
أقول : فكلمة هو ذا يونانية دخيلة في كلمات العرب لا أنها مؤلفة من كلمتين هما : هو وذا ، ثم
استعملت مفردة كما يظن ، ونحوها كلمة هب بمعنى سلمنا الرائجة في الصحف العربية فإنها
يونانية أيضا دخلت في لغة العرب من قلم المترجمين في أوائل الاسلام ، لا أنها من وهب
كما يظن أيضا .
وقال الشيخ في آخر المقالة الثانية من طبيعيات الشفاء ( ج 1 ط 1 ص 81 ) : ومن هذه الألفاظ
- يعني الألفاظ الزمانية - قولهم : هو ذا ، وهو ما يدل على آن قريب في المستقبل من الآن
الحاضر لا يشعر بمقدار البعد بينهما قصرا شعورا يعتد به .
والشيخ عقد في الموضع المذكور من الشفاء فصلا في بيان الألفاظ الزمانية نحو : بغتة ودفعة
وقبيل ونحوها . وقال في منطق الشفاء : شكل الكلمة التي في المستقبل بعينه شكل الكلمة
التي للحاضر فيقال : إن زيدا يمشي أي في الحال ، ويمشي أي في الاستقبال ، فإذا حاولوا
زيادة البيان قالوا : إن زيدا هو ذا يمشي فأقتضى الحال ، أو قالوا : سوف يمشي فاقتضى
الاستقبال .
وهذه الكلمة في الروايات أيضا غير عزيزة ففي كتاب الطب لأبي عتاب وأخيه أحمد بن
العباس بن المفضل قال : حدثني أخي المفضل قال : لدغتني عقرب فكادت شوكته حين
ضربتني تبلغ بطني من شدة ما ضربتني ، وكان أبو الحسن العسكري عليه السلام جارنا ، فصرت إليه
فقال [ أبي ] : إن ابني عبد الله لدغته وهو ذا يتخوف عليه ، فقال : أسقوه من دواء الجامع فإنه
دواء الرضا عليه السلام ، الحديث .
وفي الباب الحادي والعشرين من أبواب التيمم من وسائل الشيعة ( ج 1 ص 189 من الطبع
البهادري ) : عبد الله بن عاصم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم
ويقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال : هو ذا الماء ، فقال : إن كان لم يركع فلينصرف ويلتوضأ
وإن كان قد ركع فليمض في صلاته .
وقال الشيخ في الفصل الخامس من النمط الثالث من الإشارات في إثبات أن نفس الانسان
غير الجسمية والمزاج ما هذا لفظه : هو ذا يتحرك الحيوان بشئ غير جسميته . . الخ .
وترجمه عبد السلام الفارسي هكذا : آنك جانور جنبش مى كند بچيزى جز جسم أو .
وللسيد الأفخم محمد باقر المعروف بالمير الداماد تعليقة في ذلك المقام من الإشارات في
بيان كلمة هو ذا ، قال : هو ذا - بفتح الهاء وتسكين الواو - كلمة مفردة تستعمل للاستمرار
والتأكيد ومرادفها في لغة الفرس همي ، ومقابلتها في لغة العرب بغتة . . الخ .
أقول : والصواب أن مرادفها في لغة الفرس اينك واكنون وآنك ، كما علمت من كلمات أرسطو
والشيخ ومواضع استعمالها في الرواية وغيرها ، ثم إن قوله : تستعمل للاستمرار والتأكيد ففيه
ما فيه أيضا كما دريت ، ولما فسرها للاستمرار والتأكيد قال : إن مرادفها في لغة الفرس همي ،
وقد فهمت معناها الصحيح ومرادفها كذلك .