بسبب تفرق اتصالها عن البدن ، وقد نازع في ذلك بعض المتأخرين بأن التفرق
عدمي فلا يكون علة للوجودي ، وفيه نظر لأن التفرق ليس عدما محضا فجاز
التعليل به على أن التفرق أنما كان علة بالعرض ، فإن العلة بالذات أنما هي سوء
المزاج . الثاني : سوء المزاج المختلف ( 1 ) لأن الحمى توجب الألم ولا تفرق هناك ،
وإنما قلنا المختلف لأن سوء المزاج المتفق لا يقتضي التألم .
قال : وكل منهما حسي وعقلي وهو أقوى .
أقول : يريد قسمة الألم واللذة بالنسبة إلى الحس والعقل ، وذلك لأن جماعة
أنكروا العقلي منهما ، والحق خلافه فإنا نلتذ بالمعارف وهي لذات عقلية لا تعلق
للحس بها ونتألم بفقدانها بل هذه اللذة أقوى من اللذة الحسية ، ولهذا كثيرا ما تترك
اللذة الحسية لأجل اللذة الوهمية لا العقلية فكيف العقلية ، وأيضا فإن الحس إنما
يدرك ظواهر الأجسام ولا تعلق له بالأمور الكلية ، والعقل يدرك باطن الشئ
ويميز بين الذاتيات والعوارض ويفرق بين الجنس والفصل ، فيكون إدراكه أتم
فتكون اللذة فيه أقوى .
المسألة الخامسة والعشرون
في الإرادة والكراهة
قال : ومنها الإرادة والكراهة وهما نوعان من العلم .
أقول : من الكيفيات النفسانية الإرادة والكراهة ، وهما نوعان من العلم
بالمعنى الأعم ، وذلك لأن الإرادة عبارة عن علم الحي أو اعتقاده أو ظنه بما في
الفعل من المصلحة ، والكراهة علمه أو ظنه أو اعتقاده بما فيه من المفسدة ، هذا
مذهب جماعة . وقال آخرون : إن الإرادة والكراهة زائدتان على هذا العلم
هامش
( 1 ) لأن المتفق أي المستوى صارت حرارة الحمى متمكنة فيه كالمزاج له ( الأسفار ج 2 ط 1
ص 38 ) .