فبدأ باشتراكه ، واستدل عليه بوجوه ثلاثة ، ذكرها الحكماء والمتكلمون .
الأول : إنا قد نجزم بوجود ماهية ، ونتردد في خصوصياتها مع بقاء الجزم
بالوجود ، فإنا إذا شاهدنا أثرا حكمنا بوجود مؤثره ، فإذا اعتقدنا أنه ممكن ، ثم
زال اعتقادنا بإمكانه ، وتجدد اعتقادنا بوجوبه ، لم يزل الحكم الأول ، فبقاء
الاعتقاد بالوجود عند زوال اعتقاد الخصوصيات يدل على الاشتراك .
الثاني : أن مفهوم السلب واحد لا تعدد فيه ولا امتياز ، فيكون مفهوم نقيضه
الذي هو الوجود واحدا ، وإلا لم ينحصر التقسيم بين السلب والإيجاب ( 1 ) .
الثالث : أن مفهوم الوجود قابل للتقسيم بين الماهيات ، فيكون مشتركا بينها ،
أما المقدمة الأولى فلأنا نقسمه إلى الواجب والممكن ، والجوهر والعرض ،
والذهني والخارجي ، والعقل يقبل هذه القسمة ، وأما المقدمة الثانية فلأن القسمة
عبارة عن ذكر جزيئات الكلي الصادق عليها بفصول متعاندة أو ما يشابه الفصول ،
ولهذا لا يقبل العقل قسمة الحيوان إلى الانسان والحجر لما لم يكن صادقا عليهما ،
ويقبل قسمته إلى الانسان والفرس .
المسألة الثالثة
في أن الوجود زائد على الماهيات
قال : فيغاير ( 2 ) الماهية وإلا اتحدت الماهيات أو لم تنحصر أجزاؤها .
أقول : هذه المسألة فرع على المسألة الأولى ، واعلم إن الناس اختلفوا في أن
هامش
( 1 ) وذلك مراد من قال وإلا ارتفع النقيضان ، وذلك لأنه لو كان أحد طرفي التناقض مفهوما
واحدا والطرف الآخر مفهومات متعددة كل منها نقيض للطرف الأول لأمكن خلو الموضوع
عنهما بأن يكون واحدا آخر من تلك المفهومات ، مثلا لو فرضنا أن الحمرة والصفرة نقيضان
للبياض كالسواد ، لم يكن في الحمرة الصفرة والبياض وهو ارتفاع النقيضين .
( 2 ) أي فيغاير الوجود الماهية ، وإلا اتحدت الماهيات إن كان الوجود عينها ، أو لم تنحصر
أجزاؤها إن كان جزء لها .