أقول : اختلف العلماء في ذلك ، فذهب جمهور الأوائل إلى أن العلم يستدعي
انطباع المعلوم في العالم وأنكره آخرون ، احتج الأولون بأنا قد ندرك أشياء لا
تحقق لها في الخارج ، فلو لم تكن منطبعة في الذهن كانت عدما صرفا ونفيا محضا
فيستحيل الإضافة إليها .
واحتج الآخرون بوجهين : الأول : أن التعقل لو كان هو حصول صورة المعقول
في العاقل لزم أن يكون الجدار المتصف بالسواد متعقلا له ، والتالي باطل فكذا
المقدم . الثاني : أن الذهن قد يتصور أشياء متقدرة فيلزم حصول المقدار فيه فيكون
متقدرا ، والجواب عنهما سيأتي .
قال : في المحل المجرد القابل ( 1 ) .
أقول : هذا إشارة إلى الجواب عن الإشكالين ، وتقريره أن المحل الذي
جعلناه عاقلا مجرد عن المواد كلها ، والمجرد لا يتصف بالمقدار باعتبار حلول
صورته فيه ، فإن صورة المقدار لا يلزم أن تكون مقدارا ، وأيضا هذه الصورة
القائمة بالعاقل حالة في محل قابل لها فلهذا كان عاقلا لها ، أما الجسم فليس محلا
قابلا لتعقل السواد فلا يلزم أن يكون متعقلا له .
قال : وحلول المثال مغاير .
أقول : هذا إشارة إلى كيفية حلول الصورة في العاقل ، وتقريره أن الحال في
العاقل أنما هو مثال المعقول وصورته ( 2 ) لا ذاته ونفسه ، ولهذا جوزنا حصول
هامش
( 1 ) القبول والانطباع والارتسام ونظائرها رائجة في ألسنة المشاء ، والأمر كما قلنا فوق هذه
العبارات ، ثم إن العلم صورة عارية عن المادة وأحكامها فوعاؤه أعم من الواهب والمتهب
يجب أن يكون من سنخه ، فالنفس ومخرجها من النقص والكمال ليسا من هذه النشأة الأولى
الطبيعية .
( 2 ) الصورة بمعنى ما هو الشئ بالفعل فالعلم هو إدراك النفس صورة الشئ بهذا المعنى
وعطف على المثال الصورة ليفيد أن المثال بمعنى ما هو الشئ بالفعل . وراجع في تفصيل
ذلك الفصل السابع من نفس الإشارات حيث يقول الشيخ : إدراك الشئ هو أن يكون
حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك . والى بيان الخواجة في الشرح حيث يقول :
يقال تمثل كذا عند كذا إذا حضر منتصبا عنده بنفسه أو بمثاله . والى الفصل التاسع من النمط
السادس منه حيث يقول : لا تجد إن طلبت مخلصا إلا أن تقول أن تمثل النظام الكلي في
العلم السابق مع وقته الواجب اللائق يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه . . الخ . والى الفصل
التاسع من النمط الثامن منه حيث يقول : وكمال الجوهر العقل أن تتمثل فيه جلية الحق الأول
قدر ما يمكنه أن ينال منه ببهائه الذي يخصه ثم يتمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه مجردا
عن الشوب . . الخ .
ومع الغور والخوض في تلك الكلمات الكاملة تحصل أن ما شنع القوم على المشاء بأنهم
ذهبوا إلى أن ذات الأول تعالى محل الصور والارتسام ليس على ما ينبغي ، فإن التشنيع يرد
عليهم لو كان المثال بمعنى الشبح والشكل ونحوهما ، فتدبر .