أقول : ذهب آخرون من الأوائل إلى أن الكيفيات هي الأمزجة وهو خطأ ،
لأن المزاج كيفية متوسطة بين الحار والبارد يحصل من تفاعلهما والحرارة
والبرودة من الكيفيات الملموسة فيكون المزاج منها ، فاللون والطعم مما ليس
بملموس يكون مغايرا للمزاج وإن كان تابعا له لكن التابع مغاير للمتبوع .
المسألة الخامسة
في البحث عن الملموسات
قال : فمنها أوائل الملموسات وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ،
والبواقي منتسبة إليها .
أقول : لما كانت الكيفيات الملموسة أظهر عند الطبيعة لعمومها بالنسبة إلى كل
حيوان قدم البحث عنها . واعلم أن الكيفيات الملموسة إما فعلية أو انفعالية أو ما
ينسب إليهما ، فالفعلية كيفيتان هما الحرارة والبرودة ، والمنفعلة اثنتان هما الرطوبة
واليبوسة ، ونعني بالفعلية ما تفعل الصورة بواسطتها في المادة ، وبالمنفعلة ما تنفعل
المادة باعتبارها . وإنما كانت الأوليان فعليتين والأخريان منفعلتين وإن كانت
المادة تنفعل باعتبارهما لأن الأوليين تفعلان في الأخريين دون العكس ، وأما
باقي الكيفيات الملموسة كاللطافة والكثافة واللزوجة والهشاشة والجفاف والبلة
والثقل والخفة فإنها تابعة لهذه الأربعة .
قال : فالحرارة جامعة للمتشاكلات ، مفرقة للمختلفات ، والبرودة بالعكس .
أقول : الحرارة من شأنها إحداث الخفة والميل الصاعد ويحصل بسبب ذلك
الحركة ، فإذا وردت الحرارة على المركب وسخنته طلب الألطف الصعود قبل غيره
لسرعة انفعاله فاقتضى ذلك تفريق أجزاء المركب المختلفة ، فإذا صعد الألطف
جامع مشاكله ، فمن هاهنا قيل : إنها تقتضي جمع المتشاكلات وتفريق المختلفات ،
وأما البرودة فإنها بالعكس من ذلك .