الفصل الأول
في الوجود والعدم
وتحديدهما بالثابت العين والمنفي العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه
ونقيضه ( 1 ) أو بغير ذلك يشتمل على دور ظاهر .
أقول : في هذا الفصل مسائل مهمة جليلة ، هذه أولاها وهي أن الوجود والعدم
لا يمكن تحديدهما . وأعلم أن جماعة من المتكلمين والحكماء حدوا الوجود
والعدم ، أما المتكلمون فقالوا : الموجود هو الثابت العين ، والمعدوم هو المنفي العين .
والحكماء قالوا : الموجود هو الذي يمكن أن يخبر عنه ، والمعدوم هو الذي لا يمكن
أن يخبر عنه ، إلى غير ذلك من حدود فاسدة لا فائدة في ذكرها ، وهذه الحدود كلها
باطلة لاشتمالها على الدور ، فإن الثابت مرادف للموجود ، والمنفي للمعدوم ، ولفظة
( الذي ) إنما يشار بها إلى متحقق ثابت ، فيؤخذ الوجود في حد نفسه .
قال : بل المراد تعريف اللفظ إذ لا شئ أعرف من الوجود ( 2 ) .
هامش
( 1 ) أي نقيض الذي يمكن أن يخبر عنه ، وذلك النقيض هو الذي لا يمكن أن يخبر عنه . وهو
تعريف للمعدوم .
وقوله : أو بغير ذلك ، مثل قولهم : الموجود هو الذي يكون فاعلا أو منفعلا ، أو الذي ينقسم إلى
الفاعل والمنفعل ، أو ينقسم إلى الحادث والقديم ، والمعدوم على خلافها .
( 2 ) لا شئ أعرف من الوجود إذ لا معنى أعم منه ، والأعم لكون شروطه ومعانداته أقل
يناسب جوهر النفس الناطقة البسيطة ، كما أن كل قوة مدركة تجانس مدركها ، وحكم
المجانسة بين الغذاء والمغتذي سار في كل واحدة منهما ، لذا قال الشيخ في إلهيات الشفاء
( ج 2 ص 75 ط 1 ) : يشبه أن تكون الكثرة أعرف عند تخيلنا ، والوحدة أعرف عند عقولنا .
وفي الحكمة المنظومة للمتأله السبزواري ( ص 103 ) :
وسر أعرفية الأعم سنخية لذاتك الأتم
ووحدة عند العقول أعرف وكثرة عند الخيال أكشف
واعلم أن التعبير عن متن الأعيان وحقيقة الحقائق وجوهر الجواهر عسير جدا ، والتعبير عنه
بالوجود تعبير عن الشئ بأخص أوصافه الذي هو أعم المفهومات ، إذ لو وجد لفظ يكون ذا
مفهوم محصل أشمل من ذلك وأبين لكان أقرب إليه وأخص به ، وكان ذلك هو الصالح لأن
يعبر به عنه . ولما لم يكن بين الألفاظ المتداولة لفظ أحق من الوجود إذ معناه أعم المفهومات
حيطة وشمولا وأبينها تصورا وأقدمها تعقلا وحصولا ، اختاروه وعبروا به عنه .
ويعبرون عنه بالحق أيضا فالوجود هو الحق ، وإن شئت قلت : الوجود من حيث هو هو ، هو
الحق سبحانه ، والوجود الذهني والخارجي والأسمائي ظلاله . فالوجود هو عين كل شئ في
الظهور ، ما هو عين الأشياء في ذواتها ، سبحانه وتعالى بل هو هو ، والأشياء أشياء ، فتدبر .
والخوض غير حري بالمقام . وينبغي ها هنا الفرق بين المفهوم والعين ، والتوجه إلى عدم
المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي . والمطلق ومقيده ، وإن كان كل واحد من المطلق
والمقيد مرآة للآخر بوجه ، فافهم .