شرح
وأما تأويله كلام فضلاء حلب ( رضوان اللَّه عليهم ) بقولهم بوجوب الاجتهاد عينا ، فحاصله [ 1 ] أنّ مرادهم بالاجتهاد معناه اللغوي ، وهو بذل الجهد والوسع في تحصيل معرفة الأحكام ، سواء كان بالاجتهاد ، أو التقليد .
( والذي يخطر بالبال ) أنّ مرادهم من الإجتهاد معناه الاصطلاحي ، إذ هو العرف الشائع بينهم ، حتى أنهم إذا أطلقوا لفظ « الفقيه » يراد به عندهم المجتهد ، لكن مرادهم - واللَّه أعلم - أنّ الاجتهاد يجب عينا على كل من كان له قابلية الاجتهاد ، ومتأهّلا له من حيث الذكاء والاستعداد بالقوة له ، ولا يلزم على هذا تعطيل أمور المكلَّفين ، إذ القابل لهذا واحد من ألف .
وذلك أنك ترى أهل الذكاء والقبول لهذا المطلب الجليل ، قد أقبلوا على البطالة والتعطيل ، ومصاحبة أهل الدنيا ، وترى الأغنياء ممن ليس لهم تلك الأهلية ، ولا تلك القابلية بالقوة ولا بالفعل ، قد أقبلوا على طلب العلم وتحصيله ، ولكن إذا انقضت منهم الأعمار كان سعيهم في حفظ بعض مسائل ( مختصر النافعأو ( الشرائع ) أو نحو ذلك .
وليس هذا إلا من باب ما ذهب إليه جماعة من علمائنا من أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الأعيان ، وقالوا انّ معنى وجوبه على الأعيان هو كونه واجبا على من اتصف بشرائطه ، وعرف مواقعه وأحكامه ، لأنّ من لم يعرف قواعده الشرعية لا يجوز له القيام به فضلا عن وجوبه عليه .
وقال المحققون في أمثالهم : ضاع العلم بين ذكي معطل وبين بليد مشغول بتحصيله .
وقد شاهدنا مثل هذا في أعصارنا هذه كثيرا ، وكان أستاذنا المحقق البغدادي قد
هامش
[ 1 ] أي حاصل هذا التأويل .