فإذا تجاوز بلاغة البليغ ( 1 ) المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبيد ، وتجاوز
ذلك ( 2 ) بلاغة أبلغهم ظهر كونه ناقضا للعادة .
وإنما نتبين ذلك بما ذكرنا وبينا ( 3 ) أنه تحداهم بمثل القرآن ، فعجزوا
عنه ، وعما يقاربه . ( 4 )
فصل
فان قيل : بماذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره ؟ وما أنكرتم أن
الله سبحانه بعث نبيا غير محمد صلى الله عليه آله ، وآمن محمد صلى الله عليه وآله به ، فتلقاه منه محمد
صلى الله عليه وآله ثم قتل ذلك النبي فادعاه معجزة لنفسه ؟
والجواب : أنا نعلم باضطرار أنه مختص به صلى الله عليه وآله كما نعلم في كثير من الاشعار
والتصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر امرئ القيس ( 5 ) وكتاب
العين للخليل .
ثم إن القرآن المجيد ظهر عنه ، وسمع منه ولم يجر في الناس ذكر أنه طهر
لغيره ، ولا جوزوه ، وكيف يجوز في حكمة الحكيم سبحانه أن يمكن أحدا من
مثل ( 6 ) ذلك ، وقد علم حال محمد صلى الله عليه وآله في عزوف ( 7 ) نفسه عن ملاذ الدنيا
وطلق النفس من أول أمره وآخره ، فكيف يتهم بما قالوا ؟ ( 8 )
هامش
1 ) " القرآن " البحار .
2 ) " وبلغ حدا لا يبلغه " خ ل ، والبحار .
3 ) " نتبين ( يبين ) كونه كذلك و ( إذا ) بينا " خ ل ، والبحار .
4 ) عنه البحار : 92 / 125 .
5 ) هو ابن حجر الكندي ، الشاعر الجاهلي المعروف ، وصاحب المعلقة .
6 ) " قبيل " خ ل .
7 ) عزف نفسه عن كذا : منعها عنه .
8 ) عنه البحار : 92 / 126 .