ملك أظهر ( 1 ) عليه بأمره تعالى ، وأوحى الله تعالى به إليه ، فإذا علم صدقه في دعواه
بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه ، وحبسه عن مثله ، وعما
يقاربه فكان ناقضا للعادة ، كان ( 2 ) معجزا دالا على صدقه ، ولم يضرنا في ذلك أن
يكون تعالى تكلم به من قبل ، إذا لم تجر عادته تعالى في إظهاره على أحد غيره . ( 3 )
فصل
وقولهم : " إنه مركب من جنس مقدور العباد " لا يقدح ( 4 ) في كونه ناقضا
للعادة ولا في كونه معجزا ، لان الاعجاز فيه هو من جهة البلاغة ، وفيها يقع التفاوت
بين البلغاء . ألا ترى أن الشعراء والخطباء يتفاضلون في بلاغتهم ، في شعرهم وخطبهم ؟
فصح أن يكون في الكلام ما يبلغ حدا في البلاغة ينتقض به العادة في بلاغة
البلغاء من العباد .
يبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا تحصل بقدرة القادر على إحداث
الحروف المركبة ، وإنما تظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ ، وتلك العلوم
لا تحصل للعبد باكتسابه ، وإنما تحصل له من قبل الله تعالى ابتداءا ، وعند اجتهاد العبد
في استعمال ما يحصل عنده ، وتلك العلوم من قبله تعالى .
وقد أجرى الله سبحانه عادته فيما ( 5 ) يمنحه العباد من العلوم بالبلاغة ، فلا يمنح
من ذلك إلا مقدارا يتقارب ( 6 ) فيه بلاغة البلغاء ( 7 ) فيتفاوتون في ذلك بعد تقارب
بلاغاتهم ( 8 ) .
هامش
1 ) " يظهر " خ ل ، والبحار .
2 ) " فكان " م ، والبحار .
3 ) عنه البحار : 92 / 125 .
4 ) قدح في عرضه : طعن فيه وعابه وتنقصه .
5 ) " فيها " خ ل . وفي البحار بلفظ " بمنح العبد من العلوم للبلاغة " .
6 ) " تتفاوت " البحار .
7 ) " بعضهم عن بعض " البحار .
8 ) " بقدر تفاوت بلاغتهم " البحار .