شرح
إلا أن ما يمنعنا عن ذلك ، ويقتضي الحكم بطهارة أبوالها ملاحظة
سيرة الأصحاب من لدن زمانهم ( ع ) الواصلة إلينا يدا بيد ، حيث إنها
جرت على معاملتهم معها معالمه الطهارة ، لكثرة الابتلاء بها ، وبالأخص
في الأزمنة المتقدمة فإنهم كانوا يقطعون المساقاة بمثل الحمير والبغال والفرس
فلو كانت أبوالها نجسة لاشتهر حكمها وذاع ، ولم ينحصر المخالف في طهارتها
بابن الجنيد والشيخ ( قدهما ) ولم ينقل الخلاف فيها من غيرهما من أصحاب
الأئمة والعلماء المتقدمين ، وهذه السيرة القطعية تكشف عن طهارتها ، وبها
تحمل الأخبار المتقدمة الصريحة في نجاسة الأبوال المذكورة على التقية ، فإن
العامة ولا سيما الحنفية منهم ملتزمون بنجاستها ( * 1 ) وقد اعترف بما ذكرناه
هامش
( * 1 ) قدمنا شطرا من أقوالهم في هذه المسألة في تعليقة ص 67 - 77 عن
ابن حزم في المحلى وننقل جملة أخرى من كلماتهم في المقام لمزيد الاطلاع :
قال في بدايع الصنايع للكاشاني الحنفي ج 1 ص 161 بول ما لا يؤكل
لحمه نجس وأما ما يؤكل لحمه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف نجس وعند محمد
طاهر . وبهذا المنوال نسج في المبسوط ج 1 ص 54 . وفي عمدة القارئ
للعيني الحنفي ( شرح البخاري ) ج 1 ص 99 اختلف في الأبوال فعند
أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وآخرون كثيرون الأبوال كلها
نجسة إلا ما عفي عنه وقال أبو داود بن علية الأبوال كلها طاهرة من كل
حيوان ولو غير مأكول اللحم عدا أبوال الانسان . وفي إرشاد الساري
للقسطلاني شرح البخاري ج 1 ص 300 ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور
إلى أن الأبوال كلها نجسة إلا ما عفي عنه وفي فتح الباري لابن حجر
شرح البخاري ج 1 ص 232 باب أبوال الإبل والدواب والغنم ذهب
الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول
اللحم وغيره وفي البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 73 اختلفوا في
نجاسة بول غير الآدمي من الحيوان فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها
كلها نجسة وقال قوم بطهارتها وقال آخرون بتبعية الأبوال والأرواث للحوم
فما كان منها محرم الأكل كانت أبواله وأرواثه نجسة وما كان مأكول اللحم
فأبوالها وأرواثها طاهرة وبه قال مالك وفي البدايع ج 5 ص 37 في كتاب
الذبائح لا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء ويكره لحم الخيل عند أبي
حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره وبه أخذ الشافعي وفي مجمع الأنهر
لشيخ زاده الحنفي ج 3 ص 513 في الذبائح يحرم أكل لحوم الحمر
الأهلية والبغال لأنه متولد من الحمار فإن كانت أمه بقرة فلا يؤكل بلا
خلاف وإن كانت أمه فرسا فعلى الخلاف في أكل لحم الفرس : فعلى
هذا بول الحمير والبغال والفرس نجس لحرمة أكل لحمها والأخير وإن
كان مكروها عند أبي حنيفة إلا أنه يرى نجاسة الأبوال كلها حسب
كلماتهم المتقدمة .