شرح
( إحداها ) ما تكون نابعة على وجه الاستمرار بالفعل : بأن تنبع
ويجري ماؤها على وجه الأرض ، كما في العيون الجازية .
( وثانيتها ) : ما تكون نابعة على نحو الاستمرار أيضا ، ولكنه لا بالفعل
بل بالاقتضاء ، بمعنى أن تكون نابعة إلى أن يبلغ الماء حدا معينا ، وهو
تساوي الماء الخارج المجتمع منها في البئر للماء الموجود في مادتها وفي عروق
الأرض ، وحينئذ تقف ولا تنبع إلا أن يؤخذ مقدار من مائها لينزل به
سطح الماء ، فتنبع ثانيا بدل المتحلل مما أخذ منه من الماء إلى أن يتصاعد
الماء إلى السطح السابق ، وهكذا . فللمادة اقتضاء النبع دائما ، وهذا هو
الغالب في المواد فإن نبعها لو كان دائميا وغير منقطع في زمان لأوجب
غرق العالم بالماء .
و ( ثالثتها ) : ما تكون نابعة ، إلا أنه إذا أخذنا منها ماؤها ينقطع
نبعها وتقف ولا تنبع ثانيا إلا بعد حفر جديد ، ثم تنبع بمقدار ، وإذا
أخذنا منها ذلك المقدار تقف ولا تنبع إلا بعد حفر آخر وهكذا .
كما يتفق ذلك في بعض الأراضي والبلدان ، فالنبع في القسمين الأولين
دائمي فعلا أو بحسب الاقتضاء ، وأما في الثالث فلا دوام للنبع فيه بوجه
بل ولا تصدق على مثله المادة أصلا لأن المادة من المدد والامداد ، والمفروض
أنهما لا تمد الماء بعد أخذه فلا يستمد منها في شئ والماء الحاصل منها غير
مستند إلى المادة فينفعل بالملاقاة لا محالة ومن هنا ذكر أن شمول الأخبار
المستفاد منها حكم الجاري لهذه الصورة غير واضح . وعلى هذا الاحتمال
كان اعتبار دوام النبع عبارة أخرى عن اعتبار اتصال الماء بالمادة لأن المادة
إذا لم تمد الماء فلا محالة تكون منقطعة وغير متصلة بالماء .
( الخامس ) : أن يراد بالدوام نبع المادة وجريانها فعلا ، وأما إذا
لم تنبع بالفعل ولو لأجل مانع لا لأجل ضعفها وفتورها بل لحصر