شرح
إن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، وبهذا دفعوا المناقشة المعروفة - في أخذ العلم
بالأحكام الشرعية في تعريف الفقه - بأن الأحكام الشرعية بأكثرها ظنية .
نعم ذكرنا في محله أن جعل الحكم المماثل في موارد الطرق والأمارات مما
لا أساس له ، لما أشرنا إليه من أن الحجية امضائية ولا يعتبر العقلاء جعل الحكم
المماثل في شئ من الحجج ، وإنما يعاملون معها معاملة العلم فحسب .
ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الحجية في السند بمعنى جعل الحكم المماثل
فلا مجال للالتزام به في حجية الدلالة لأنها تستند إلى حجية الظهور ، ولا شبهة في
أنها عقلائية ، وقد عرفت أن العقلاء لا يعتبرون في الحجية جعل المماثل بوجه ،
والاستنباط وإن كان يتوقف على كل من حجية السند والدلالة ، إلا أن الحجية
في الدلالة ليست بمعنى جعل المماثل قطعا ، فالقول بذلك لا يبتنى على دليل ، إلا
أنا لو قلنا بذلك جاز تقليد المجتهد لصدق أنه فقيه وعالم بالأحكام كما عرفت ،
ولعل هذا مما لا اشكال فيه .
وإنما الكلام فيما لو سلكنا مسلك صاحب الكفاية " قده " وقلنا أن المجعول
في باب الحجج والأمارات هو المعذرية أو المنجزية دون الطريقية ولا الحكم المماثل
فإن المجتهد حينئذ ليس بعالم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، كما أنه ليس بفقيه
ومعه كيف يسوغ تقليده وهل هذا إلا من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ؟ !
وأجاب عن ذلك صاحب الكفاية بأن المجتهد وقتئذ وإن لم يكن عالما بالأحكام
الواقعية ولا الظاهرية ، إلا أنه عالم بموارد قيام الدليل والحجة على الحكم الشرعي
ومتمكن من تشخيصها ، وبهذا الوجه يصح تقليده ويجوز الرجوع إليه هذا .
ولا يخفى أن الالتزام بما سلكه صاحب الكفاية " قده " من أن المجعول هو
التنجيز والتعذير وإن كان لا يمكن المساعدة عليه لما بيناه في محله من أن المجعول في
باب الأمارات هو الكاشفية والطريقية دون المعذرية والمنجزية ، لأن قبح العقاب من