فذهب قوم منهم إلى أن الامتناع ذاتي وجعلوا العالم واجب الوجود ، ونحن قد
بينا خطأهم وبرهنا على حدوثه فيكون ممكنا بالضرورة .
وذهب آخرون إلى أن الامتناع باعتبار الغير وذلك أن العالم معلول علة
واجب الوجود فلا يمكن عدمه إلا بعدم علته ويستحيل عدم واجب الوجود ،
ونحن قد بينا خطأهم في ذلك وبرهنا على أن المؤثر في العالم قادر مختار .
وذهبت الكرامية والجاحظ إلى استحالة عدم العالم بعد وجوده بعد
اعترافهم بالحدوث ، لأن الأجسام باقية فلا تفنى بذاتها ، ولا بالفاعل لأن شأنه
الإيجاد لا الإعدام إذ لا فرق في العقل بين نفي الفعل وبين فعل العدم ، ولا ضد
للأجسام ( 1 ) لأنه بعد وجوده ليس إعدامه للباقي أولى من عدمه به
هامش
( 1 ) هذا هو السبب الثالث لفناء العالم لكن أبطله بأن التضاد لأجل المطاردة يوجب عدم العالم ،
لكنه بالنسبة إلى العالم الموجود غير متصور وذلك بوجوه :
1 - أن التضاد من مقولة الكيف ، والأجسام من مقولة الجوهر ، ولا تضاد في الأجسام ، وقد بينه في
المسألة الثالثة من الفصل الأول من المقصد الثاني من مقاصد الكتاب .
2 - على فرض وجوده فلماذا لا يعدم بالتضاد نفس الضد دون العالم لأن التضاد من الجانبين ورفعه
يحصل بانعدام أحد الضدين ولا يختص بفناء العالم .
ويضيف المستدل على امتناع فناء العالم بأنه ربما يتوهم أن الأولى للانعدام هو العالم لا الضد وهو
باطل لأن للأولوية وجوها كلها غير ناهضة لإثباتها ، وإليك بيانها :
ألف - تعلق الضد الحادث بالسبب ( الواجب ) ، والجواب أنها مشتركة ، إذ العالم وضده الحادث
متعلقان بالسبب .
ب - الضد الحادث كثير متعدد ، والجواب عنه بأنه يستلزم اجتماع المثلين .
ج - لو بقي العالم مع وجود الضد الحادث يلزم اجتماع الضدين ، ومرجع اجتماعهما إلى اجتماع
النقيضين لأن كل ضد يقتضي عدم الآخر كما حرر في محله . والجواب بأن رفع اجتماع الضدين
يتحقق أيضا بعدم دخول الضد في حيز الوجود ، إلى هنا تم بيان السبب الثالث لفناء العالم
استدلالا وإشكالا وجوابا .