قلنا : ليس المراد بالجواز هنا معناه الأخص وهو ما استوى طرفا فعله وتركه
لامتناع ذلك في العبادات ، فإن العبادة تستدعي رجحانا لتفعل كونها قربة ، وكون
الاخلاص معتبرا في نيتها والثواب مترتبا على فعلها ، وإنما المراد به معناه الأعم
- أعني مطلق الأذان في الفعل شرعا - وذلك جنس للوجوب والندب وقسميهما .
فإن قيل : أي الأقسام الأربعة مراد ؟
قلنا : معلوم انتفاء الإباحة والكراهة وكذا الندب ، للاجماع على أن الجمعة
حيث تشرع تجزئ عن الظهر ، ويمتنع التعبد بهما معا ، لامتناع الجمع بين البدل
ومبدله ، فلم يبق إلا الوجوب التخييري بينها وبين الجمعة ، فالجواز المدعى في
معنى الوجوب .
فإن قيل : لم آثرتم التعبير بالجواز على الوجوب ؟
قلنا : لوجهين :
أحدهما : إن التعبير بالوجوب يوهم إرادة الحتم .
والثاني : إن مناط الخلاف هو الشرعية حالتئذ وعدمها ومعنى الشرعية : الإذن
في الفعل شرعا ، فإذا مناط الخلاف هو الجواز وعدمه ، فلو عبر بغيره لم يقع
الموقع .
فإن قيل : قد عبر بعض الفقهاء باستحباب الجمعة حال الغيبة .
قلنا : هو صحيح وإن كان التعبير بالجواز أولى ، لما نبهنا عليه ، ووجه الصحة :
أن الوجوب التخييري لا ينافيه الاستحباب العيني ، لأن أحد فردي الواجب قد يكون
أفضل من الفرد الآخر ، فيكون مستحبا بالنسبة إليه ، فيستحب اختياره .
فإن قيل : دليلكم يقتضي الوجوب العيني الحتمي ، والمدعى هو الوجوب
التخييري فلم يتلاقيا .
قلنا : أجمع علماؤنا الإمامية رضوان الله عليهم طبقة بعد طبقة ، من عصر أئمتنا
رسائل الكركي — صفحة 147
مساهمون: الشيخ محمد الحسون
ص١٤٧