كالذين درسوه والذين صدقوا فيه ، يفهمون المرارة في قول أمير المؤمنين
( أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية ! ) .
رضى الله عن أمير المؤمنين وأرضاه . فما كان ذلك ليقع إلا في آخر
الزمان الذي قدره الله للخلفاء الراشدين ( 1 ) وفي آخر الأيام التي قدرها الله
لحياته
لقد طعنه عبد الرحمن بن ملجم في السابع عشر من رمضان سنة 40 ،
باتفاق بينه وبين زميلين من " الخوارج " أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمرا .
فأصيب معاوية في عجزه . ولم يصب عمرو إذ لم يخرج للصلاة وأناب نائبا
عنه فقتل .
هامش
( 1 ) أما أهل السنة فيمثل رأيهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل إذ سئل من الخلفاء ؟ وأجاب ،
أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم . قال : السائل فمعاوية ؟ قال أحمد ( لم يكن أحد أحق
بالخلافة في زمن علي من علي . ورحم الله معاوية ) . ولما ذكر عنده سير عائشة مع طلحة والزبير
قال : فكرت في طلحة والزبير ، أهما كانا يريدان أعدل من علي بن أبي طالب ؟ رضوان الله
عليهم أجمعين - وجاءه يوما جماعة فأكثروا القول وأطالوه في خلافة علي فرفع إليهم رأسه
وقال : إن الخلافة لم تزين عليا ولكن عليا زينها .
ومثل الشافي رأى المسلمين عندما قال رجل ( ما نفر الناس من علي إلا لأنه كان لا يبالي
بأحد ) فبهته الشافعي بقوله ( كان له أربع خصال لا تكون واحدة منها لإنسان إلا ويحق له
ألا يبالي بأحد : أنه كان زاهدا . والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها . وكان عالما . والعالم لا يبالي
بأحد . وكان شجاعا . والشجاع لا يبالي بأحد . وكان شريفا . والشريف لا يبالي بأحد ) .
وأما الخوارج على جيشه فكانوا ثمانية آلاف دعاهم ليزيل شبهتهم . فأبوا أن يجيئوه إلا أن
يقر بالكفر على نفسه ثم يتوب ، فحاربهم ونصره الله عليهم . ثم حاربوا الأمويين العباسيين .
ومع تكفير هم الكثيرين من جمهور المسلمين بدعوى التهاون في الدين فالمسلمون لا يكفرونهم لأنهم
متأولون . وأمير المؤمنين علي يعلم المسلمين ذلك بقوله عنهم : " إخواننا بغوا علينا " .
وفقه علي في معاملة العدو وفي الحرب عنوان علي علم الإمام وحلمه . فهما من علم النبي وحلمه .
إذا كانت هند بنت عتبة ( أم معاوية ) مثلث بجثة أسد الإسلام حمزة يوم أحد ، وقال النبي يومذاك ( ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا ) فلما جاءه يوم فتح مكة " وحشي " قاتل حمزة اكتفى
بقوله ( ويحك غيب عني وجهك ) . وقال يومذاك لهند بنت عتبة ، آكلة الأكباد ، ( مرحبا بك . )
وقال للأعداء ( أنتم الطلقاء ) ، فلقد صنع علي صنيعه " يوم الجمل " عندما ظفر بابن الزبير
فاكتفى بأن قال له ( لا أرينك بعد اليوم ) وظفر بسعيد بن العاص فأعرض عنه . وظفر بأهل
البصرة فصفح الصفح الجميل .