وذات يوم قال رجل : إن بيني وبين رجل منازعة في أمر وإني
أريد أن أتركه فيقال لي إن تركك ذلة . فقال الإمام ( إن الذليل هو
الظالم ) . فهو لا يرى الترك عيبا إنما العيب بالظلم ، أيا كان مصدره ،
التارك أو المتروك له .
ودخل عليه عمار الساباطي فقال له : " يا عمار إنك رب مال كثير
فتؤدى ما افترض عليك الله من الزكاة ؟ قال نعم . قال : فتخرج الحق
المعلوم من مالك ؟ قال نعم . قال : فتصل قرابتك ؟ قال : نعم . قال
فتصل إخوانك قال نعم . قال : يا عمار إن المال يفنى . والبدن يبلى .
والعمل يبقى . والديان حي لا يموت . يا عمار . ما قدمت فلم يسبقك .
وما أخرت فلن يلحقك " .
والأيادي قروض ، والإمام يعد بالرد المضاعف ، ويعلن فضل
من أعطى . ويؤثر عليه فضل الآخذ . والعرف لا يذهب بين الله والناس .
قال له تلميذ : إني لا أتغذى أو أتعشى إلا ومعي اثنان أو ثلاثة .
أو أكثر . فأرضاه الإمام بالجزاء الموعود ، وأعلن له أن فضلهم يفوق
فضله . قال ( فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم . إذا دخلوا عليك
دخلوا بالرزق الكثير ) ( 1 ) .
* * *
والإمام يحض على دوام التواصل ، إذ يجعل النعمة التي يخولها المعطى
للآخذ نعمة تتكرر إذ تشكر ، لتتكرر . يقول " اشكر من أنعم عليك .
وأنعم على من شكرك . فإنه لا إزالة لها إذا شكرت ولا إقالة لها إذا كفرت " .
والبخل قبض القادر يده عن العطاء ونفسه عن الأمل . فذلك داء
البخلاء . والإمام الذي يوجب السخاء عند إقبال الدنيا وحين يفيض
الخير ، يوجب الرجاء والصبر عند إدبارها . فالدنيا تدور . يقول
هامش
( 1 ) قارن هذا المجتمع الإسلامي الذي يقول فقهاؤه ( ما المعطى عن سعة بأفضل من الآخذ
لو كان محتاجا ) بالمجتمع الإنجليزي الذي جاء بعد ذلك بقرون سبعة في عصر الملكة اليزابيث
( 1558 - 1603 ) وفيه صدرت قوانين بإعدام المتسولين وأعدم بها المئات .