الأَعلى تَبارَكَ وتَعالى . وقُرئَ : " قَدَرَ " بالتَّخفيفِ ( 1 ) ، وهو قِراءَةُ عليٍّ ( عليه السلام ) ( 2 )
والمعنى واحِدٌ . ( أحْوَى ) صِفَةٌ لِ ( غُثَاءً ) ، أي : ( أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ ) بَعْدَ
خُضْرَتِهِ ورَفيفِهِ ( غُثَاءً أَحْوَى ) أي : دَرِيناً أَسْوَدَ ، ويجُوزُ أن يكُونَ ( أَحْوى ) حالاً
مِن ( الْمَرْعَى ) أي : أَخْرَجَهُ أَحْوىً : أَسْودَ من شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ ، فَجَعَلَهُ غُثَاءً
بَعْدَ حُوَّتِهِ .
( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى ) هذهِ بِشَارَةٌ بَشَّرَ نَبيَّهُ عليه الصلاة والسلام بهَا ، وهو أَن
يَقْرأَ عليه جبرائيل ( عليه السلام ) ما يَقْرؤُهُ من الوَحْيِ ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرأُ ولا يكتُبُ ، فَيَحْفظُهُ
ولا يَنْسَاهُ . ( إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ ) فَذَهَبَ بهِ عن حِفْظِهِ بِرَفْعِ حُكْمِهِ وتِلاَوتِهِ ، كَمَا قَالَ :
( أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْها ) ( 3 ) ، وهذهِ آيةٌ بيِّنةٌ ومُعْجِزَةٌ دالَّةٌ على نُبوَّتِهِ .
( إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) معنَاهُ : أنَّه يعْلَمُ ما تَجْهَرُ بقِرَاءتِهِ مع جبرائيلِ
مخَافَةَ التَفَلُّتِ وما تُخْفي في نَفْسِكَ ، أو : يَعْلَمُ ما أَعْلَنْتُم وما أَخْفَيْتُم من أَقوالِكُم
وأَفعالِكُم وأَعمالِكُم ، وما ظَهَرَ وما بَطَنَ من أَحوالِكُم ، وما هو مَصْلَحَةٌ في دينِكُم
وما هو مَفْسَدَةٌ فيهِ .
( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسرَى ) مَعْطُوفٌ على : ( سَنُقْرِئُكَ ) ، وقَولُهُ : ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ
ومَا يَخْفَى ) اعْتِرَاضٌ ، والمعنى : ونُوفِّقُكَ للطريقةِ التي هي أَيْسَرُ وأَسْهَلُ ، يعني :
حِفظَ الوَحْيِ وتَسْهيلَهُ ، وقيلَ للشَّريعةِ الحَنيفيَّةِ : السَّمْحَةُ التي هي أَيْسَرُ الشَّرائعِ
وأَسْهَلُها مأْخَذاً .
( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الْذِّكْرَى ) أي : ذَكِّرْ الخَلْقَ وَعِظْهُم ، وَكَرِّرِ التَّذكيرَ بَعْدَ إلْزَامِ
هامش
( 1 ) قرأه الكسائي وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 680 .
( 2 ) حكاه عنه ( عليه السلام ) الفرَّاء في معاني القرآن : ج 3 ص 256 .
( 3 ) البقرة : 106 .