التَّفسيرِ ، وكَذَا قَولُهُ : ( وَالْجِبَالَ أَرْسَهَا ) ولَمْ يَدْخُلْ حَرْفُ العَطْفِ على ( أَخْرَجَ )
لأنَّه فَسَّرَ الدَّحْوَ الذي هو التَّمهيدُ للأَرضِ والبَسْطُ للسُّكْنى بما لابُدَّ منْهُ في تَأَتِّي
سُكْنَاهَا ، من : تَسْويةِ أَمْرِ المأْكَلِ والمشْرَبِ ، وإِمْكانِ القَرارِ عليها بإخْرَاجِ المَاءِ
وَالمَرْعَى ، وإِرْسَاءِ الجِبَالِ أَوتَاداً لَها لِتَسْتَقِرَّ ويُسْتَقَرَّ عليها . وأَرادَ بِ ( مَرْعَهَا ) ما
يأْكلُ الإِنسانُ والأَنْعامُ ، واستُعِيرَ الرَّعيُ للإِنْسانِ كما استُعِيرَ الرَّتْعُ في قَولِهِ : ( نَرْتَعْ
وَنَلْعَبْ ) ( 1 ) ، وقُرِئَ : " نَرْتَعِ " ( 2 ) من الرَّعْيِ ، ولهذا قيلَ : دَلَّ اللهُ سبحانَهُ بذِكْرِ الماءِ
والمَرْعى على عامَّةِ ما يُرتَفَقُ بهِ ويُتَمتَّعُ ممَّا يَخْرُجُ من الأَرضِ ( 3 ) . ( مَتَعاً لَكُمْ )
أي : فَعَلَ ذلك تَمْتيعاً لكم ( وَلاَِنْعَمِكُمْ ) لأنَّ منْفَعَةَ ذلك واصِلَةٌ إلى الجَميعِ .
( الطَّآمَّةُ ) : الدَّاهيةُ التي تَطُمُّ على الدَّواهِيَ ، أي : تَعلُو وتَغْلبُ ، وفي المَثَلِ :
" جَرَى الوادِي فَطَمَّ عَلَى القَرِي " ( 4 ) ، وهي القيامةُ . ( يَوْمَ يَتَذَّكَرُ ) بَدَلٌ من ( إذَا
جَآءَت ) ، ( مَا سَعَى ) أي : ما عَمِلَهُ من خَيْر وشرِّ إذا رَآهُ مدَوَّناً في كتَابِهِ تَذَكَّرَهُ
وكانَ قَد نَسِيَهُ ، كقَولِهِ : ( أَحْصَهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) ( 5 ) . ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) أي : أُظْهَرتْ
إظْهَاراً مكْشُوفاً بَيِّناً لكلِّ أَحَد .
فَأمَّا جَوابُ قَولِهِ : ( فَإذَا ) أَي : ( فَإذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ ) : فإنَّ الأَمْرَ كذلكَ ،
والمعنى : فإنَّ الجَحيمَ مأْواهُ ، كَمَا تقُولُ للرَّجُلِ : غُضَّ الطَّرْفَ أي : طَرْفَكَ ، وليس
هامش
( 1 ) القراءة بالنون هنا في سورة يوسف : 12 إِنّما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر . وذكره
المصنّف تبعاً للكشّاف ، وإلاَّ فقراءة حفص عن عاصم وعامة أهل الكوفة بالياء والجزم .
راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 346 .
( 2 ) أي : بالنون وكسر العين من : ارتعى يرتعي بمعنى : رعى ، نفتعل من الرَّعْيِ . وهي قراءة
ابن كثير . راجع المصدر السابق : ص 345 .
( 3 ) قاله القتبي . راجع تفسير السمرقندي : ج 4 ص 445 .
( 4 ) أي : جرى سيل الوادي فدفَنَ القَرِيَّ ، والقَريُّ : مجرى الماء في الروضة ، والجمع : أقرية
وقريان ، يضرب عند تجاوز الشرّ حدّه . انظر مجمع الأمثال للميداني : ج 1 ص 166 .
( 5 ) المجادلة : 6 .