بين صِفَتَيْ الجَوْهَرَيْنِ المُتَباينَيْنِ ، ومِثْلُهُ : " كَانَ " في قَولِهِ : ( كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) ،
نَحْوُ " يَكُونُ " في قَولِهِ : ( كُنْ فَيَكُونَ ) ( 1 ) . ( قَدَّرُوهَا ) صِفَةٌ ل ( قَوَارِيرَاْ )
والمعنى : أنَّهم قَدَّرُوها في أَنْفُسِهِم أن تكُونَ على مقَادِيرَ وأَشْكال على حَسَبِ
شَهَواتِهِم ، فجاءَتْ كما قَدَّرُوا ، وقيلَ : إنَّ الضَّميرَ " للطَّائِفِينَ " بها عَلَيْهم ، أي : قَدَّرُوا
شَرابَهَا على قَدْرِ الرَّيِّ ، وهو أَلَذُّ للشَّاربِ لكَونِهِ على قَدْرِ حاجَتِهِ ( 2 ) . وعن مُجَاهِد :
لا تَغيضُ ولا تَفيضُ ( 3 ) . وقُرئَ : " قُدِّرُوها " بضَمِّ القافِ ( 4 ) ، والوَجْهُ فيهِ : أن يكُونَ
من : " قَدَّرَ " منْقُولاً مِن " قَدَرَ " ، تَقُولُ : قَدَّرْتُ الشَّيءَ ، و : قَدَّرْنِيهِ فُلانٌ : إذا جَعَلَكَ
قَادِراً لَهُ ، ومعنَاهُ : جُعِلُوا قَادِرينَ لَهَا كيفَ شَاءُوا على حَسَبِ ما اشْتَهَوْا .
( كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجبِيلاً ) العَرَبُ تَستطيبُ الزَّنْجَبيلَ وتَسْتَلِذُّهُ ، قَالَ الأَعشى :
كَأَنَّ الْقَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ * بَاتَا بِفِيهَا وَأَرْياً مَشُورا ( 5 )
وعنِ ابن عبَّاس : كُلُّ ما ذَكَرَ اللهُ في القُرآنِ ممَّا في الجنَّةِ ليس مثْلُهُ في الدُّنيا ،
ولكن سَمَّاهُ بِمَا يُعْرَفُ ( 6 ) . وسمِّيتِ العَيْنُ زَنْجبيلاً لِطَعْمِ الزَّنْجَبيلِ فيها ، يعني : أنَّها
في طَعْمِهِ ولَيْسَ فيها لَذْعَةٌ ، ولكن نَقيضَ اللَّذْعِ وهو السَّلاسَةُ ، يقَالُ : شَرَابٌ سَلْسَلٌ
وَسَلْسَالٌ وَسَلْسَبِيلٌ زيدَتِ الباءُ في التَّركيبِ حتَّى صَارَتِ الكلمةُ خُمَاسيةً ودَلَّتْ
هامش
( 1 ) البقرة : 117 ، آل عمران : 47 و 59 ، الانعام : 73 .
( 2 ) قاله سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 12
ص 367 .
( 3 ) رواه عنه الطبري في تفسيره المتقدّم .
( 4 ) قرأه ابن عباس والسلمي والشعبي ورووه عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعليٍّ ( عليه السلام ) . راجع شواذ القرآن
لابن خالويه : ص 166 .
( 5 ) من قصيدة طويلة يمدح فيها هوذة بن علي الحنفي . والزنجبيل : نبات طيّب الرائحة ،
والأَرْي : العسل ، والمشهور : المجموع ، انظر ديوان الأعشى : ص 87 وفيه : " كأنّ جَنِيّاً " ،
و " خالط فَاهاً " بدلاً من " باتا بِفِيها " .
( 6 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 430 .