فِعْلاً لِغَيْرِ الموصُوفِ وَجَبَ إبْرازُ الضَّميرِ الذي فيهِ ، ولَيسَ الاتِّكَاءُ والدُنُوُّ في الآيةِ
للجنَّةِ ، فالصَّحيحُ هو القَولُ الأوَّلُ . ويَجُوزُ في ( وَدَانِيَةً ) أَن تَنْتَصِبَ على : وَجَزَهُمْ
جَنَّةً ولُبْسَ حَرير ودُخُول جَنَّة دَانِيَةً عليهم ظِلاَلُها ، فَحُذِفَ المُضَافُ ( وَذُلِّلَتْ
قُطُوفُهَا ) أي : جُعِلَتْ ثِمَارُهَا مذلَّلةً لِقُطَّافِهَا لا تَمْتَنعُ عليهم كيفَ شاءُوا ، أو : جُعِلَتْ
ذَليلةً لَهُم ، خَاضِعَةً متَقَاصِرَةً ، من قَوْلِهِم : حَائِطٌ ذَلِيلٌ : إذا كَانَ قَصِيراً ، وعَنْ مُجَاهِد :
إنْ قَامَ ارتَفَعَتْ بقَدرِهِ ، وإنْ قَعَدَ أو اضطَجَعَ تَذَلَّلَتْ حتَّى تَنَالَها يَدُهُ ( 1 ) .
( وَيُطَافُ عَلَيْهِم بَِانِيَة مِّن فِضَّة وَأَكْوَاب كَانَتْ قَوَارِيرَاْ ( 15 )
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّة قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا
زَنجَبِيلاً ( 17 ) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ
مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا ( 19 ) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا
وَمُلْكًا كَبِيرًا ( 20 ) عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُس خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن
فِضَّة وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ( 21 ) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ
سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ( 22 ) )
قُرِئَ : ( قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ ) غَيْرُ مَنَّونَيْنِ ، وبالتَّنْوينِ فيهما ( 2 ) وبالتَّنوينِ في
الأوَّلِ منْهما ( 3 ) . وهذا التَّنْوينُ بَدَلٌ من حَرْفِ الإِطْلاقِ لأنَّه كالفَاصِلَةِ من الشِّعْرِ ،
وفي الثَّاني لإِتبَاعِهِ الأَوَّل . ومعنى قَولِهِ : ( قَوَارِيرَاْ مِنْ فِضَّة ) أنَّها مخْلُوقةٌ من
فِضَّة ، وهي مَعَ بَيَاضِ الفضَّةِ وحُسْنِها في صَفَاءِ القَوارِيرَ وشَفِيفِها ، ومعنى ( كَانَتْ ) :
أنَّها تَكَوَّنَتْ قَوارِير بتَكوينِ اللهِ إيَّاهَا ، وهو تَفْخيمٌ لتلك الخلْقَةِ العجيبةِ الجَامِعَةِ
هامش
( 1 ) رواه عنه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 364 .
( 2 ) قرأه عاصم برواية أبي بكر عنه ونافع والكسائي . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 663 - 664 .
( 3 ) وهي قراءة ابن كثير وحده . راجع المصدر السابق .