( إنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة ) وقيلَ : المُرادُ بهِ آدمُ ( عليه السلام ) ( 1 ) .
وعن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ : أنَّها تُلِيَتْ عندَهُ فَقَالَ : لَيْتَها تمَّت ( 2 ) . أرادَ تلكَ الحالَة
تَمَّتْ ولَمْ يُخْلَقْ ولَمْ يُكَلَّفْ .
و ( نُطْفَة أَمْشَاج ) مِثْلُ : بُرْمَة أَعْشَار ، ويقَالُ : نُطْفَةٌ مشجٌ ، وليسَ " أَمْشَاجٌ "
بجَمْع لهُ ، بَلْ هُما مِثْلاَنِ في الإِفْرادِ ، يوصَفُ المفردُ بِهِما ، وَمَشَجَهُ وَمَزَجَهُ بمعنىً ،
والمعنى : من نُطْفة قد امتَزَجَ فيها الماءَانِ : ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المرأَةِ ، وعن قَتَادَةَ :
أَمْشاجٌ : أَطْوارٌ : طَوْراً نُطْفَةً ، وطَوْراً عَلَقَةً ، وطَوْراً مُضْغَةً ، وطَوْراً عِظَاماً ، إلى أن صَارَ
إنْساناً ( 3 ) . ( نَبْتَلِيهِ ) في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ ، أي : خَلَقْنَاهُ مُبْتَلينَ لَهُ ، أي :
مُريدينَ ابتِلاءَهُ ، كقَولِكَ : مَرَرتُ برَجُل مَعَهُ صَقْرٌ صَائِداً بهِ غَداً ، أي : قَاصِداً به الصَّيْدَ
غَداً . ( شَاكِراً ) و ( كَفُوراً ) حَالاَنِ من الهاءِ في ( هَدَيْنَهُ ) أي : بَيَّنَّا له الطَّريقَ ،
وَنَصَبْنا له الأدلَّةَ ، وَأَزَحْنَا العِلَّةَ وَمَكَّنَّاهُ في حَالَتَيْهِ جَميعاً .
ولمَّا ذَكَرَ " الشَّاكِرَ " و " الكَافِرَ " أَتْبَعَهُما الوَعيدَ والوَعْدَ . قُرئَ : ( سَلَسِلا )
مُنَوَّناً ( 4 ) وغَيْرَ مُنَوَّن ، وفي التَنْوينِ وَجْهانِ : أَحَدُهُما : أن تكُونَ هذه النُّونُ بَدَلاً
من حَرْفِ الإِطْلاقِ ، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرَى الوَقْفِ ، والآخَرُ : أَنَّه صُرِفَ غَيْرُ
المُنْصَرِفِ على عَادَةِ الشُّعَراءِ .
( الأَبْرَار ) جَمْعُ " بَرٍّ " أو " بَارٍّ " ك " ربٍّ " و " أَرْبَاب " ، و " صَاحِب "
هامش
( 1 ) قاله قتادة وسفيان . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 353 .
( 2 ) رواه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 426 .
( 3 ) حكاه عنه الشيخ في التبيان : ج 10 ص 206 .
( 4 ) هي قراءة نافع والكسائي وعاصم برواية أبي بكر . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 663 .