وانتُصِبَ انتِصَابَ المَصْدرِ لأنَّ الكَذِبَ بَعضُ القَوْلِ ونَوْعٌ منْهُ ، وقُرِئَ : " لَنْ
تَقَوَّلَ " ( 1 ) وعلى هذا فيكُونُ : ( كَذِباً ) مَصْدَراً وَقَعَ مَوقِعَ " تقوُّلاً " ، لأنَّ التَّقَوُّلَ
لا يكُونُ إلاَّ كَذِباً .
ومعنى قَولِهِ : ( كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ ) : أَنَّ العَرَبَ
كانَ إذا أَمسى أَحَدُهُم في وَاد قَفْر وَخَافَ على نَفْسِهِ قَالَ : أَعُوذُ بسيِّدِ هذا الوَادي
من سُفَهَاءِ قَومِهِ ، يُريدُ : الجِنَّ وكَبيرَهُم ( فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ) أي : فَزَادَ الجِنُّ الإِنْسَ
رَهَقاً بإغْوائِهِم وإضْلالِهِم لاستِعَاذَتِهِم بِهِم ، أو : فَزَادَ الإِنْسُ الجِنَّ رَهَقاً أي : طُغْياناً
واستِكْباراً لاستِعَاذَتِهِم بِهِم ، يقُولُونَ : سدْنَا الجِنَّ والإِنْسَ ، والرَّهَقُ : غِشْيَانُ
المَحَارِمِ . ( وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ ) أي : وأَنَّ الإِنْسَ ظَنُّوا ( كَمَا ظَنَنْتُمْ ) وهو من كَلاَمِ الجِنِّ
يقُولُهُ بَعْضُهُم لبَعْض ، وقيلَ : الآيَتَانِ من جُملَةِ الوَحْيِ ، والضَّميرُ في : ( وَأَنَّهُم ظَنُّواْ )
للجِنِّ ، والخِطَابُ في : ( كَمَا ظَنَنْتُمْ ) لِكفَّارِ قُرَيْش ( 2 ) .
( وَأنَّا لَمَسنَا السَّمَآءَ ) اللَّمسُ : المَسُّ ، فاستُعيرَ للطَّلَبِ لأنَّ المَاسَّ طَالِبٌ
مُتَعرِّفٌ ، قَالَ :
مَسَسنَا مِن الآباءِ شَيْئاً وكُلُّنَا * إلى نَسَب في قَومِهِ غَيْرِ وَاضِعِ ( 3 )
وَلَمَسَهُ والْتَمَسَهُ وَتَلَمَّسَهُ : كَطَلَبَهُ واطَّلَبَهُ وتَطَلَّبَهُ ، والمعنى : طَلَبْنَا بُلُوغَ السَّماءِ
واستِمَاعِ كَلاَمِ الملائكةِ ( فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً ) أي : حَفَظَةً من الملائِكةِ
شِدَادَاً . والحَرَسُ : اسمٌ مُفْردٌ ، كالخَدَمِ في معنَى الحُرَّاسِ والخُدَّام ، ولذلك وُصِفَ
هامش
( 1 ) قرأه يعقوب . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 736 .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 624 .
( 3 ) لزيد بن الحاكم الكلابي من أبيات يمدح بها قومه ويذمّ آخرين من بني عمومته ، يقول : لا
تفاخر بيننا وبينكم من جهة الآباء بل التفاخر من جهة أُمّهاتنا وأُمّهاتكم . راجع شرح شواهد
الكشّاف للأفندي : ص 424 .