من جِنِّ نَصِيبينَ آمنُوا بالنبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأَرْسَلَهم إلى سَائرِ الجنِّ ( 1 ) ( فَقَالُواْ إنَّا
سَمِعْنَا ) أي : قَالُوا لِقَومِهِم حينَ رَجَعُوا إليهِم كقَولِهِ : ( فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم
مُنْذِرِينَ ) ( 2 ) ، قَالُوا : ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءاناً ) كِتَاباً ( عَجَباً ) بَديعاً مُبَايناً لكَلاَمِ الخَلْقِ ،
قَائِماً ، فيه دَلاَئلُ الإِعْجَازِ ، " عَجَبٌ " مَصْدَرٌ يُوضَعُ مَوضِعَ " العَجِيب " ، وهو ما خَرَجَ
من حَدِّ أَشْكَالِهِ ونَظَائِرِهِ .
( يَهْدِى إِلَى الْرُّشْدِ ) يَدعُو إلى الصَّوابِ وإلى التَّوحيدِ والإِيْمَانِ ( فَآمَنَّا بِهِ )
الضَّميرُ للقُرآنِ . ولَمَّا كان الإِيْمانُ بهِ إيْماناً بوحْدَانيَّةِ اللهِ تَعَالى قَالُوا : ( وَلَنْ نُشْرِكَ
بِرَبِّنَآ أَحَداً ) أي : ولَنْ نَعُودَ إلى ما كُنَّا عليهِ من الإِشْراكِ بهِ ، ويجُوزُ أن يكُونَ الضَّميرُ
للهِ ، لأنَّ قَولَهُ : ( بِرَبِّنَآ ) يُفَسِّرُهُ ( تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا ) أي : تَعالى جَلاَلُ ربِّنا وَعَظَمتُهُ
عن اتِّخَاذِ الصَّاحبةِ والوَلَدِ ، من قَولِكَ : جَدَّ فُلانٌ في عَيْني : إذا عَظُمَ . وقيلَ : ( جَدُّ
رَبِّنَا ) سُلْطَانُه ومُلْكُه وغِناهُ ( 3 ) ، من الجَدِّ الذي هو الدولَةُ ، والبَخْتُ مستَعَارٌ منْهُ ،
وقَولُهُ : ( مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلاَ وَلَداً ) بَيَانٌ لذلكَ .
( وَأنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ) وهو إِبْليسُ أو غَيْرُهُ من مَرَدَةِ الجِنِّ ( عَلَى اللهِ
شَطَطاً ) أي : بَعيداً من القَوْلِ ، وهو الكَذِبُ في التَّوحيدِ والعَدْلِ ، والشَّطَطُ : مُجَاوَزَةُ
الحدِّ ، ومنْهُ : أَشَطَّ في القَوْلِ إذا أَبْعَدَ فيهِ ، أي : يقُولُ قَولاً هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ ما
أَشَطَّ فيهِ ، وهو نسْبَةُ الصَّاحبةِ والوَلَدِ إلى الله . ( وَأَنَّا ظَنَنَّآ ) أَنَّ أَحَداً من الجِنِّ
والإِنسِ لَنْ يَكْذِبَ على اللهِ ، ولَنْ يقُولَ عليهِ ما لَيْس بحَقٍّ ، فَكُنَّا نُصَدِّقُهُم فيما
أَضَافُوهُ إليهِ حتَّى تَبيَّنَ لنا بالقُرآنِ كَذِبُهُم ( كَذِباً ) قَولاً كَذِباً أي : مكْذُوباً فيه ،
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس . راجع تفسير الطبري : ج 11 ص 297 .
( 2 ) الأحقاف : 29 .
( 3 ) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : ج 2 ص 272 .