مثلُ : " ظَلْنَ " ، ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأْولَى ) وهيَ القَديمةُ الَّتي يُقَالُ لَهَا :
الجَاهليّةُ الجَهلاءُ ، وهي الزَّمنُ الَّذي وُلِدَ فيه إبراهيمُ ( عليه السلام ) ، كانَتِ المرأةُ تَلْبَسُ
الدِّرْعَ من اللُّؤلؤ فَتَمشِي وَسَطَ الطَّريقِ تَعْرضُ نَفْسَهَا عَلى الرِّجالِ ، وقيلَ : ما بَينَ
آدمَ ونُوح ( 1 ) ، وقيلَ : هِيَ جَاهليَّةُ الكُفْرِ قبل الإِسلام ( 2 ) .
( أَهْلَ الْبَيْتِ ) نُصِبَ علَى النِّداءِ أو علَى المدحِ ، و ( الرِّجْس ) مستَعارٌ
للذُّنُوبِ ، و " الطُّهْرُ " للتقْوى ، لأنَّ عِرْضَ المُقْترفِ للقَبيحِ يَتَدَنَّسُ بهِ كَمَا يَتَلَوَّثُ
جَسَدُهُ بالأرجَاسِ .
واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ على أنَّ المُرادَ أهلُ بيتِ نبيِّنا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) قاله الحكم والحسن ، راجع تفسير الطبري : ج 10 ص 294 ، وتفسير الماوردي : ج 4
ص 400 .
( 2 ) وهو قول ابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 10 ص 295 .
( 3 ) الخطاب في قوله تعالى : ( عنكُم ) بالجمع المذكَّر يدلّ على أنَّ الآية الشَّريفة من قوله :
( إنَّما يُريدُ اللهُ ) الخ ، في حقّ غير زوجات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإلاّ فَسِياقُ الآيات يقتضي
التعبير بخطاب الجمع المؤنَّث ، أعني : " عنكنَّ " و " يطهِّركنَّ " فالعدول عنهما إلى الخطاب
بالجمع المذكَّر يشهد بأنَّ المراد من أهل البيت غيرُ الزَّوجات ، وهم الخمسة النجباء ( عليهم السلام ) ،
وباقي الأئمة أيضاً مرادُ بإجماع الإمامية واتِّفاقهم . وما يقال : إنَّ التعبير بالجمع المذكَّر إنَّما هو
باعتبار " الأهل " كما تفوَّه به بعض النَّواصب فممَّا لا يُعْبأ به ، فإنَّ على ما ادَّعاه أيضاً لابدّ وأن
يكون في العدول إلى الخطاب بالجمع المذكَّر سبباً ومرجِّحاً ، فإنَّ " الأهل " يذكَّر ويؤنَّث
لا أنَّه يُذكَّر فقط كما صرَّح به العلاَّمة الزَّمخشري في الكشَّاف في تفسير آية : ( هذِه القرية
الظالمُ أهلُهَا ) في سورة النساء ، فبناء على أنَّ الأهل يؤنَّث أيضاً كان الأَولى التعبير بحسب
سياق الآيات ، وصدرُ هذه الآية نفسها هو الخطاب بالجمع المؤنَّث ، فالعدول ليس إلاَّ لما
ذكرناه .
وأضفُ إلى ذلك أنَّه إن كان المراد من " الأهل " هو " الأهل " في قوله تعالى : ( أَهْل
الْبَيْتِ ) فهذا لا يصحِّح مراده ، لانَّ الأهل تابع ( عَنكُم ) والتَّابع لا يؤثِّر في المتبوع لا تذكيراً
ولا تأنيثاً . وإن كان المراد من " الأهل " هو " الأهل " المنتزع من النساء ، فهذا يقتضي أن
تكون الضمائر السَّابقة أيضاً بالتَّذكير ، والحال أنَّ الضَّمائر كلَّها بالتَّأنيث ، فما وجه العدول
في ذيل الآية إلى التذْكير ؟ مع أنَّك عرفت أنّ " الأهل " يذكَّر ويؤنَّث .
ثم إنَّا نقولُ : إنَّه هل المرادُ من إذهابِ الرِّجس عن أهل البيت هوَ دَفْعُ الرِّجس أو رفعه ؟
فإن كان الأوَّل فالزَّوجات خارجات عن حُكْمِ الآية ، فإنّ أكثرهنّ - إن لم يكن كلهنّ - كّن في
الرّجس قبل الإسلام ، وإن كان الثَّاني فلا محيص من القول بخروج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن
حكم الآية ، فإنَّهُ لم يكن فيه رجس أصلاً لا قبل البعثة ولا بعدها باتِّفاق الأُمَّة الإسلامية
قاطبة ، مع أنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) داخل في حكم الآية قطعاً بالاتّفاق ، فلا يمكن القول بخروج
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن حُكمها . فثبت الأولُ وانتفَى الثَّاني وخرجت الزَّوجات عن حُكم الآية
قطعاً ، وهو المطلوب " ق " .