سَبِيلِهِ ) دَليلٌ على أَنَّ المَقْتَ تَعَلَّقَ بقَولِ الَّذينَ وَعَدُوا الثَّباتَ في القِتَالِ فَلَمْ يَفُوا .
( صَفّاً ) صافِّينَ أَنْفُسَهُم ، أو : مَصْفُوفينَ كأنَّهُم في تَراصِّهِم من غَيْرِ فُرْجَة
( بُنْيَنٌ ) رُصَّ بَعْضُهُم إلى بَعْض وَرُصِفَ ، وقيلَ : إنَّهُ يَدُلُّ على فَضْلِ القتَالِ رَاجِلاً ،
لأنَّ الرَّجَّالَةَ يَصْطَفُّونَ على هذهِ الصِّفَةِ ( 1 ) . وقَولُهُ : ( صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ )
حَالاَنِ متَدَاخِلَتَانِ .
( وَإِذْ قَالَ ) ظَرْفٌ لأَذكُر ( تُؤْذُونَنِى ) آذَوْهُ بأَنْواعِ الأَذى ، مِن قَولِهِم : ( اذْهَبْ
أَنْتَ وَرَّبُّكَ ) ( 2 ) ، ( اجْعَلْ لَنَا إِلهاً ) ( 3 ) ، وَطَلَبِهِم رُؤْيَةَ اللهِ جَهْرَة ، وَعِبَادَتِهِم العِجْلَ
وَغَيْرِ ذلكَ ( وَقَدْ تَعْلَمُونَ ) في مَوضِعِ الحالِ ، أي : تُؤْذُونَني عَالِمِينَ ( أَنِّى رَسُولُ
اللهِ ) وَقَضيَّةُ عِلْمِكُم بنبوَّتي وَرِسَالتي تَعْظِيمي وتَوقِيري لا إِيْذَائي ، ( فَلَمَّا زَاغُواْ )
عن الحقِّ ( أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) بأَنْ مَنَعَهُم أَلْطَافَهُ ( وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ )
لا يَلْطُفُ بِهِم لأنَّهم لَيْسُوا من أَهْلِ اللُّطْفِ ، أو : لا يَهْديِهم إلَى الجنَّةِ التي وَعَدَها
المؤْمنينَ .
( مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ ) أي : أُرْسِلْتُ إليكُم في حَالِ تَصْديقي لِمَا تَقَدَّمَني من
التَّوراةِ ، وفي حَالِ تَبشيري ( بِرَسُول يَأْتِى مِنْ بَعْدِى ) وقُرِئَ بسكُونِ الياءِ
وفَتْحِها ( 4 ) ، وَسيبَوَيْه والخَليلُ يَخْتَارَانِ الفَتْح ( 5 ) .
وعَنْ كَعْب : أَنَّ الحَوَاريِّينَ قَالُوا لِعيسى : يَا روحَ اللهِ ، هَلْ بَعْدَنا من أُمَّة ؟ قَالَ :
نَعَم ، أُمَّةُ أَحْمَد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حُكَمَاءٌ عُلَمَاءٌ أَتْقياءٌ ، كأنَّهُم من الفِقْهِ أَنْبياءٌ ، يَرْضَوْنَ من اللهِ
هامش
( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 523 .
( 2 ) المائدة : 24 .
( 3 ) الأعراف : 138 .
( 4 ) وبفتح الياء في " بَعْدِيَ " قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم . راجع كتاب
السبعة في القراءات : ص 635 .
( 5 ) حكاه عنهما الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 525 .