وعن مجاهد : كلُّ نبيٍّ أَبٌ لأُمَّتِهِ ( 1 ) ، ولذلكَ صَارَ المؤمنونَ إِخْوةً ؛ لأنَّ النبيَّ
أَبُوهُم في الدِّينِ ، وأَزْواجَهُ أُمّهاتُهُم في تَحْريمِ النِّكاحِ ، كَمَا قَالَ : ( وَلاَ أَنْ تَنْكِحُواْ
أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) ( 2 ) وَلَسْنَ بأُمَّهات لَهُم علَى الحقيقةِ ، إذْ لَو كُنَّ كذلكَ لكانَتْ
بَنَاتُهنَّ أَخَوات ، فكَانَ لاَ يَحِلُّ للمُؤْمنِ من التَزويجِ بِهِنَّ ( وَأُوْلُواْ الأرْحَامِ ) أي :
ذَوُو الأَنْسَابِ ( بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْض ) في الميرَاثِ بحقِّ القَرابَةِ ، وَكَانَ المسلمُونَ
في صَدْرِ الإِسلامِ يَتَوارثُونَ بالمؤاخَاةِ في الدِّين وبالهِجْرةِ ، فَصَارتْ هذه الآيةُ
نَاسِخَةً للتَّوارثِ بالهِجْرةِ والمُؤاخَاةِ ( فِي كِتبِ اللهِ ) في اللَّوحِ المحفُوظِ ، أَو : في
القُرآنِ ( مِنَ المُؤْمِنِينَ ) يجوزُ أَن يكُونَ بَيَاناً لأُولي الأَرحامِ ، أي : لأَقرباءِ منْ
هؤلاءِ بَعضُهُم أَولى بأَن يَرِثَ بَعْضَاً من الأَجَانِب ، ويجوزُ أَن يكُونَ لابتداء الغَايةِ ،
أي : أُولي الأَرحَامِ بحقِّ القَرابةِ أَوْلى بالميرَاثِ من المؤمنينَ بحَقِّ المؤاخَاةِ ، ومن
المُهاجِرينَ بحقِّ الهِجْرةِ ( إلاَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً ) عَنَى بذلكَ وَصيَّةَ
الرَّجلِ لإِخوانِهِ في الدِّينِ ، وَعَدَّي ( تَفْعلُوا ) ب " إلى " لأنّه في مَعنى " تسدّوا "
و " تزلَّوا " ، ( كَانَ ذلِكَ ) المشارُ إليهِ من نَسْخِ الميرَاثِ بالهِجْرةِ وردِّه إِلى أُولي
الأَرحام مَكتُوباً في اللَّوح أو القُرآنِ أو التَّوراةِ .
وَاذْكُرْ حين أَخذْنَا ( من النَّبِيِّينَ ) جَميعاً ( ميثَاقَهُم ) بتَبليغِ الرِّسالةِ والدُّعاءِ
إلَى التَوحيدِ ( وَمِنْكَ ) خُصُوصَاً ( وَمِنْ نُّوح وَإبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ) وإنَّما
فَعلْنَا ذلكَ لِيسألَ اللهُ تعالى يَومَ القيامَةِ عند تَواقُفِ الأشهادِ المؤمنينَ الَّذين صَدَقُوا
عَهْدَهُم فَيشْهَدَ الأنبياءُ لَهُم بأنَّهُم صَدَقُوا عَهْدَهُم وكانُوا مؤمنينَ ، أَو : ليسألَ الأنبياءَ
ما الَّذي أَجَابتْهُم بِهِ أُمَمُهُمْ كقَولِهِ : ( ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُوني وَأُمِّيَ إلهَيْنِ ) ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) تفسير مجاهد : ص 546 .
( 2 ) الآية : 53 .
( 3 ) المائدة : 116 .